في أبسط تعريفات الحكم الرشيد العادل، أنه ذاك الحكم القائم على تلمس حاجات الأمة، والذي ينظر إلى منبر السلطة على أنه مناط المسؤولية العامة والخدمة للمجتمع، وتحقيق رفاهيته وتأمين متطلباته، وسياسة أموره بالمساواة بين جميع أفراده، والبلوغ بالقرب من هموم الناس ومشكلاتهم، الدرجة التي تذوب معها جميع الحواجز بين الحاكم والمحكوم، وتنعكس حباً واحتراماً بين الطرفين.
هذا الوصف المبسط الشامل لجوهر الحكم، نلمسه كل يوم في علاقة حكامنا في الإمارات بشعبهم، وعلى رأسهم صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، إلا أننا سنتوقف مع حاكم أبوي، استطاع الاقتراب بشكل مباشر من هموم أبنائه، ومبادرة أصحابها بالمكرمات، بعد أن يتمثل مشكلاتهم، ويتولى بنفسه دخول ميدان حلها، وهو صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الحاكم الإنسان.
مكرمات تلو المكرمات، وتدخلات ذاتية بحل المشكلات، ونصائح أبوية تتوالى بين الحين والآخر، عبر قنوات التواصل الشعبية المعروفة للناس، لا عبر الوسطاء، فلا يلبث أصحاب المشكلة، شخصية كانت أو مجتمعية، أن يطرحوها على الرأي العام، حتى ينبري لها ليقدم الحلول، ويتابع تطبيقها والاهتمام بها بنفسه، مبرهناً على القدرة الكبيرة في ترجمة نظريات الحكم الرشيد إلى وقائع نسمعها كل يوم، ونبصر خيرها كلما سمعنا صوت صاحبها يتردد عبر أثير المحطة الإذاعية.
والشيخ سلطان، حين يترجم قناعته بالحكم الأبوي المسؤول بهذه القدرة الغريبة في عصرنا على التواصل الحميم مع الناس، إنما يسلك أقصر الطرق إلى أمرين؛ أولهما يوصل إلى فهم مشكلات الناس، وبالتالي وضع أفضل الحلول لها، بعيداً عن البيروقراطية المقيتة، وثانيهما يوصل إلى قلوب الناس، واحتلال المكانة الأثيرة فيها، فالأبراج العاجية غير موجودة في قاموس حاكم يعرف أن مكانه في قلوب شعبه.
ليس هذا فحسب، بل إن سموه حين يعمم هذا النهج في سياسة الحكم وفن إدارة الأزمات وحل المشكلات اليومية للشعب، إنما يسطر نهجاً إدارياً يشكل نموذجاً وقدوة لتواصل المسؤولين الدائم مع الشعب، واقتراب صاحب المسؤولية من صاحب الحاجة، من دون حواجز أو عوائق، في سياسة القلوب والعقول المفتوحة قبل الأبواب المفتوحة، وأن يعمل الجميع وفق هذه المنظومة القيمية العالية من التفاني والرغبة في الخدمة والعطاء، لتحقيق الإنجازات الكفيلة بسعادة ورقي الجميع.
ثم إنها، من جانب آخر، تشيع بين الناس القدرة على هدم الحواجز بينهم، والمسارعة إلى تعزيز مبدأ التكافل الاجتماعي، والمبادرة بتقديم الحلول حسب المستطاع، ليستفيد منها المجتمع، ولا يمكن أن تنطلق مثل هذه الروح وتسري بين الجميع، إلا حينما يرون أن القيادة تضع الهم العام نصب عينيها، ولا تنأى بنفسها عن قضاياه، بل تتعهد بتبنيها والسعي الجاد إلى إزالة أوهام الانقطاع بين السلطة والمجتمع.
وما يثلج الصدور بهذا النهج الفريد من حاكم الشارقة، هو أن الكثير من المسؤولين أصبحوا يتنافسون على تعزيز تواصلهم مع الإعلام وقنواته المختلفة، من دون الخوف من المواجهة مع الناس، لأنهم يعلمون أن المشكلة الاجتماعية ليست من كوكب آخر، ولا بد أن حلها من الممكن الوصول إليه والاقتراب منه إذا صلحت النية، لا دس الرؤوس في الرمال، وانتظار تراكم الأهوال وتعقد المشكلات، وانتشار التأويلات والتفسيرات غير الواقعية، التي تمثل البيئة الخصبة لنمو الأفكار الاجتماعية السلبية الهدامة، التي تتخذ من مثل هذه الأمور أعواد ثقاب لإشعال نار الفتن بين الناس.
وهي من هذه الجهة أيضاً، تعطي دفعة قوية لرسالة الإعلام السامية الهادفة، وأنه وسيلة مهمة فعالة لتقريب وجهات النظر بين الناس، والمشاركة في وضع الحلول لقضاياهم، لا سيما ذات العلاقة بالشأن العام والمصلحة الجماهيرية.
بل إن الهاجس أصبح الآن في حض الناس على طرح قضاياهم من دون تردد، ما داموا يجدون من القيادة الرشيدة الأذن المصغية التي تستمع بقلبها لهموم الناس، وتشاركهم وضع التصورات والحلول، وهو أمر في أعلى سلم المشاركة السياسية الجماهيرية، حين يصبح الناس هم القائمون على رعاية مصالحهم بأنفسهم، وينتقلون من السلبية المستهلكة المنتظرة باستمرار، إلى الإيجابية المبادرة القادرة على التعبير عن صوتها بحرية كاملة، لا تخشى لومة لائم، ما دامت تطلب حقوقها التي كفلها القانون، ويرعاها الحكام بعين الأبوة الحانية، والقيادة الحكيمة.