كانت تجربة غريبة ليتم تعييني في وظيفة بسبب معرفتي باللغة العربية، ثم يتم إرسالي إلى بلد لا تستخدم فيه اللغة العربية. وكنت في ذلك الوقت، في أواخر النصف الأول من القرن العشرين، متزوجاً من سيدة ضليعة في اللغات، ولكن لم يتصادف أن الفارسية كانت من بين اللغات التي تتقنها، وهكذا لم يكن مدهشاً أن تربطني أواصر الصداقة بأخوين عراقيين كانا قد قدما من بغداد، وتصادف أنهما يهوديان، وكانا يتحدثان اللغة العربية بطلاقة.
في بادئ الأمر، كان هذان الأخوان قد بعث بهما أبوهما إلى طهران لتحصيل أموال، كان البعض مديناً له بها، ولكن الهدف من رحلتهما كذلك كان تبين ما إذا كانت هناك أي فرص للقيام بنشاط أعمال في إيران. وبعد أن أمضيا عامين في العاصمة الإيرانية، كان كلاهما قد تمكنا من ناصية اللغة الفارسية، وأطلقا نشاط أعمال على نطاق ضيق، لكنه يدر عليهما دخلاً كبيراً.
وقد اكتشفت طبيعة هذا النشاط عندما قام الأخ الأكبر بدعوتي لزيارته في مكتبه، الذي لم يكن يتجاوز غرفة صغيرة، كان يدير فيها أعماله اعتماداً على نفسه. ويبدو أنه كان محظوراً في ذلك الوقت في إيران تحويل أي أموال إلى خارج البلاد، وهكذا، فإنه أياً كان مدى ثراء رجل الأعمال، فإنه لم يكن بمقدوره مثلاً أن يشتري لنفسه فيللا وحديقة في أحد المنتجعات الشهيرة في جنوبي فرنسا.
وقد كانت تلك الإمكانية بالتحديد، هي الأساس لنشاط الأعمال الذي استهل الأخوان العراقيان القيام به، فقد حازا على ثقة عملائهما، الأمر الذي جعل من الممكن لتاجر إيراني مثلاً أن يمضي إلى مكتبهما، واعتماداً على الحوار فحسب، يتفق معهما على دفع مبلغ معين بالفرنك الفرنسي ليتم تحويله إلى حساب باسمه في باريس، ثم يقوم الرجل عندئذ بدفع مبلغ بالتومان الإيراني لصديقه العراقي.
كان كل ما يعنيه ذلك، أن صفقة غير مشروعة سيتم إبرامها دون أي دليل مكتوب على تسلم أي مبالغ نقدية، حيث إن الصفقة بكاملها تقوم على الثقة التامة بين الطرفين، وتشمل بالطبع مبلغاً من المال يدفع لصديقي العراقي، مقابل قدرته على التمكن من إتمام هذا التحويل.
وبعد وقت قصير، أصبح معروفاً في دوائر التجار الأثرياء الإيرانيين في ذلك الوقت، أن أسهل الطرق وأكثرها أمناً لتحويل مبلغ من المال إلى أماكن مثل فرنسا، سويسرا، إسبانيا، إيطاليا.. إلخ، هي التوصل إلى اتفاق شفوي مع الأخوين العراقيين، اللذين كانا قد افتتحا مكتباً لهما في طهران.
قدر لي أن أخوض تجربة شخصية، أتاحت لي معرفة الطريقة التي كان صديقي العراقي قادراً من خلالها على الالتفاف على القوانين السارية آنذاك، وكان ذلك عندما قمت بإنهاء عقد عملي في طهران، وطلب مني الرجوع إلى إنجلترا.
لدى تعاملي مع مسألة جواز سفري والوثائق الرسمية المطلوبة لرحيلي عن إيران، أدهشني أن أعلم أن السلطات في المطار تطلب مني تقديم وثيقة توضح أنني كنت أقوم خلال إقامتي في إيران بدفع ضريبة الدخل المستحقة علي، وقد جادلت في حواري مع الموظف المسؤول، بالقول إنني لم يكن يتعين علي أن أدفع أي ضرائب، حيث إنني لم أكسب أي أموال خلال وجودي في طهران.
وأن المال الوحيد الذي حصلت عليه كان تكاليف معيشتي التي كانت شركتي تدفعها لي. غير أن الموظف المسؤول أبلغني بأن الجميع في طهران يدفع الضريبة، وأنني ليس بمقدوري الحصول على إذن بمغادرة البلاد، ما لم يكن لدي دليل مكتوب على أنني كنت أدفع مثل هذه الضريبة.
استبدت بي الحيرة حيال الطريقة التي يمكن بها التغلب عل هذه الصعوبة، فمضيت إلى صديقي العراقي، ولدى سماعه قصتي ارتسمت على شفتيه ابتسامة ماكرة، وبإيماءة بطيئة من رأسه قال لي: «دنيس، أنت ساذج للغاية. إذا كان الموظف المسؤول يقول لك إنك بحاجة إلى إبراز وثيقة توضح أنك كنت تدفع الضريبة، فلا جدوى من الرد عليه بأنك تمثل استثناء، وأنك لست مضطراً لدفع مثل هذه الضريبة».
أبديت دهشتي الشديدة، واستفسرت منه عما يتعين علي القيام به بدلاً من ذلك. قال صديقي: «بعد أن تضع ورقة نقدية من فئة المئة تومان داخل جواز سفرك، قل للموظف أنك تريد شهادة رسمية تفيد أنك قد دفعت جميع الضرائب المستحقة عليك أثناء وجودك في البلاد».
في اليوم التالي فعلت ما اقترحه صديقي على وجه الدقة، فقال لي الموظف إن علي أن أترك جواز سفري معه، وأن أمر عليه في مكتبه خلال الأسبوع المقبل.
وقد قمت بهذا فعلاً، فتم تسليمي جواز سفري الذي أصبح الآن يتضمن صفحة كاملة مليئة بالطوابع والأختام، وبهذه الصفحة لم تعد لدي صعوبة في المرور عبر المطار، وركوب الطائرة للعودة إلى لندن.