لعلنا على ثقة بأن التدخين يتعذر حظره بالقانون، ولكن يمكن ذلك عن طريق تكثيف الجهود للتعريف بمخاطره وأضراره على الصحة وعلى المجتمع. وقد يفزع القارئ المتتبع مما جاء في تقرير هيئة الصحة العالمية من أن الشركات المنتجة للتبغ، تتبارى في استقطاب مزيد من الناس وتشجيعهم على التدخين، لضمان مزيد من الاستهلاك لمنتجاتها.
وبالطبع فإن السوق الخليجية تعتبر الأفضل في المنطقة. ولا شك أن مصالح وكلاء هذه الشركات يقفون على طرفي نقيض من أي قرارات تصدرها السلطات للحد من التدخين، ويكتفون بالكتابة على ظهر علب السجائر عبارة «التدخين ضار بصحتكم»، وهي في اعتقادي ذات مغزى تهكمي لا أكثر.
أعود لأقول إنني وغيري، لسنا في حاجة للتدليل على مخاطر وأضرار التدخين الصحية والاقتصادية والبيئية، لأن كل من سقط في وهاد هذه العادة يدرك تماماً الأضرار التي تنجم عنها.
ولقد ظللنا طوال الشهور الماضية نتابع باهتمام مجريات اجتماعات البرنامج الوطني لمكافحة التدخين، لمعرفة نتائج جهود المشاورات الجارية مع الأطراف الأخرى، لاعتماد مشروع اللائحة التنفيذية لمكافحة ظاهرة انتشار التدخين في مجتمعنا، والتي يتسبب انتشارها في إهدار للمال والصحة، فضلاً عن الإضرار بالبيئة.
ومع إدراكنا للمبررات التي حتمت إدخال تعديلات جوهرية على القانون الاتحادي لسنة 2009 في شأن مكافحة التبغ، والتي حتمت استصدار لائحة تنفيذية للقانون المشار إليه، إلا أن ما يلفت النظر هو أن التعديلات التي اشتملت عليها اللائحة، تم رفعها من قبل وزارة الصحة إلى مجلس الوزراء في يونيو من العام الماضي.. ومن ثم تمت إعادتها مرة أخرى إلى وزارة الصحة.
وهناك من لا يستبعد تدخل جهات تدعم وكلاء شركات التبغ في الدولة، الذين تتضارب مصالحهم مع أي تدابير تتخذ للحد من التدخين، ولهذا نرى ضرورة أن تسارع قيادات وزارة الصحة لتجاوز الروتين، وتعمل على تمرير التعديلات المقترحة لمجلس الوزراء، لتجد طريقها دون تأخير للمجلس الوطني لإجازتها، حتى يبدأ سريان إنفاذ التعديلات المضمنة في اللائحة التنفيذية بشأن هذه السلعة المهددة للحياة.
لقد سعدت كثيراً بقراءة أهم التعديلات التي أدخلت على القانون، لمراعاتها لحقوق الأجيال القادمة، للحيلولة بينهم وبين ممارسة عادة التدخين، كما نصت المادة 2 من اللائحة، والتي تحض على الالتزام الصارم بالمواصفات الخليجية الموحدة. والقارئ لنصوص كل من المادة رقم (4)، والمادة رقم (5)، يجدهما تمثلان جوهر تلك التعديلات التي أدخلت على القانون، خصوصاً في ما ورد من مطالبة الشركات بوضع صور وبيانات واضحة، واشتراط إضافة عبارات تحذيرية على كل عبوة، وتجنب تضليل المستهلك بأن المنتج عشبي وصديق للبيئة والرياضيين.
ولا يضر بصحة المرأة. ونفس الشيء يقال حول المادة 10، التي تحظر التدخين في كل المؤسسات التربوية والتعليمية والمنشآت الرياضية والصحية والصيدلانية وملحقاتها، ومراكز التسوق وأماكن التسلية والترفيه، ومحطات بيع الغاز ووقود السيارات، والمطاعم ووسائل النقل الجماعي.
وفي تقديرنا أن التعديلات في اللائحة التنفيذية متى ما تمت إجازتها، يمكن أن تكون إطاراً مرجعياً، بل ونموذجاً لأي دولة تهمها صحة مواطنيها. ومن جانبنا، نوصي بأن يتم تحويل مضمون اللائحة إلى استراتيجية شاملة لمناهضة التبغ والتدخين على حد سواء.
من جهة أخرى، لا بد أن نثمن الجهود الكبيرة التي بذلها فريق العمل، الذي ضم ممثلين لوزارات الداخلية والبيئة والعدل والبلديات والمجلس الوطني للإعلام والجمارك والمواصفات والمقاييس، حتى خرجت اللائحة بهذه الصورة المشرفة. وحتى يكتب لجهود هذا الفريق النجاح، نرى ضرورة نشر القانون والترويج له إعلامياً بعد إجازته، على أوسع نطاق، لتعم الفائدة على الجميع، وذلك من أجل إبقاء مجتمعنا محافظاً على صحة أفراده حاضراً ومستقبلاً.