غدا، هو يوم الاحتفال المصري والسوري بالنصر العسكري، الذي تحقق في ذلك اليوم الخالد عام 73 الذي وافق يوم العاشر من رمضان المعظم، بضرب نظرية الأمن الصهيوني وتحطيم أسطورة "الجيش الذي لا يقهر"، في جبهتي القناة المصرية والجولان السورية، بما وصفه قادة العدو الصهيوني أنفسهم بالزلزال.

حينها عبرت القوات المسلحة المصرية في جسارة قناة السويس المصرية بزوارقها المطاطية وبدباباتها البرمائية، تحت غطاء الضربة الجوية وقصف المدفعية، واقتحمت "خط بارليف" المنيع وقتلت وأسرت كل من فيه، وتقدمت إلى عمق سيناء المحتلة، فيما اندفعت القوات المسلحة السورية بدباباتها ومدرعاتها في شجاعة، تحت غطاء الضربة الجوية وقصف المدفعية لاختراق "خط آلون" الحصين، وقتلت وأسرت كل من فيه، واحتلت قمة جبل الشيخ في عمق الجولان المحتل، في مفاجأة أذهلت العالم..

والواقع أن الاحتفال بالنصر ليس مصريا ولا سوريا فقط، بل هو عربي أيضا في الحرب التي كانت بحق حرب القوى العربية المشتركة.. فقد دخل الجيشان المعركة تحت علم "دولة اتحاد الجمهوريات العربية"، التي كانت تضم مصر وسوريا وليبيا، وبخطة مشتركة لمجلس رئاسة دولة الاتحاد، ثم بالدعم العربي السياسي والاقتصادي والعسكري.

فلم يكن الجيشان العربيان يقاتلان وحدهما ضد المحتلين الصهاينة، لتحرير الأرض العربية المحتلة في حرب يونيو 67، بل كان الصمود السياسي وإرادة التحرير الشعبية، التي تجلت في رفض الشعب العربي للهزيمة بخروج المسيرات الملايينية لرفض تنحي الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، ولقاء الزعماء العرب في قمة اللاءات الثلاث التاريخية في الخرطوم دعما لدول المواجهة، هو الذي فتح الطريق لحرب الاستنزاف المجيدة التي فتحت الطريق لنصر أكتوبر المجيد، بمشاركة قوات عربية من المحيط إلى الخليج.

وسواء برفض الهزيمة أو بإنجاز النصر، فقد كان الأشقاء العرب حاضرين. فبعد هزيمة حرب يونيو 67، شكلت ليبيا والسودان العمق الاستراتيجي لمصر بعد احتلال سيناء، وشكلت العراق ولبنان العمق الاستراتيجي لسوريا بعد احتلال الجولان، وقبل وأثناء معركة النصر، كانت القوات المغربية على الجبهة السورية، وتلتها القوات العراقية ثم قوات أردنية وسعودية، وكانت على الأرض المصرية قوات جزائرية وليبية وسودانية وعراقية وكويتية.

كما كانت الحرب أيضا هي حرب الأسلحة العربية المشتركة، حينما وقفت دول الخليج العربية وقفة عربية شجاعة بوقف البترول عن الدول الداعمة لإسرائيل، وفي مقدمتها أميركا وبريطانيا، وكان دور الإمارات العربية المتحدة في الطليعة. ولا ينسى الشعب العربي، خصوصا في مصر، مقولة الشيخ زايد الخالدة:

"إن النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي"، كما لا ينسى لشعب الإمارات الشقيق، دعمه لمصر في إعادة تعمير ما دمرته الحرب. مثلما كان الدور اليمني بإغلاق باب المندب، فاعلا ومؤثرا مع قناة السويس، بإغلاق البحر الأحمر. والاحتفال بالنصر غدا، ليس احتفالا رسميا فقط، بل هو احتفال شعبي أيضا.. وليس احتفالا عسكريا وسياسيا فقط، بل هو احتفال وطني وقومي، حيث لم يكن الجيش العربي المصري والجيش العربي السوري سوى أبناء الشعب العربي في مصر والشعب العربي في سوريا.

ولم يكن ليتحقق النصر للجيوش العربية إلا بوقوف الشعوب العربية خلفها في الجبهة الداخلية، بالدعم والدعاء.. ولأن الهزيمة العسكرية لإسرائيل كانت موجعة، فهذا ما لم يجعل حرب أكتوبر آخر الحروب بما تلاها من حروب صهيو أميركية انتقامية.. خطط لها في العام 74 التالي للحرب، بمخطط برنارد لويس الأميركي لتقسيم الشرق الأوسط، لكي لايتكرر نصر عربي ولا هزيمة إسرائيلية.

وما تلاه من خطط انتقامية وتقسيمية أخرى، وذلك بإشعال الحروب الداخلية والبينية، للانتقام من الجيوش العربية التي شاركت في هزيمة إسرائيل، ولإعادة تقسيم الوطن العربي بالفتن الطائفية والمذهبية والعرقية والسياسية، لتبقى إسرائيل هي الأقوى تحت الهيمنة الأميركية.

وهذا ما جرى بالفعل في الحروب الصهيو أميركية المباشرة؛ في الصومال 1992، وفي العراق 2003 وفي لبنان 2006 وفي غزة 2009.. وفي الحروب غير المباشرة، بمؤامرات "الغزو من الداخل" في السودان وفي اليمن وفي ليبيا وفي سوريا الآن، تحت عناوين مضللة، بهدف رئيسي واحد هو الفتنة بين الشعوب والجيوش، لتفكيك الجبهات الداخلية وتدمير قدرات الجيوش العربية التي صنعت النصر، بما لا يهدد بالهزيمة لإسرائيل مرة أخرى.

وهنا نقول إن الاحتفال الحقيقي بالنصر، يكون بوحدة القوى العربية، وخاصة المصرية والسورية، ولا نقبل لشركاء النصر الأشقاء الانقلاب اليوم إلى أعداء، أو التحالف مع الأعداء ضد الأشقاء.. والاحتفال الحقيقي بالنصر، هو بوحدة الشعب والجيش معا لحماية الوطن من الأعداء، وليس بالاقتتال خدمة للأعداء، وبعدم السقوط في فخ المؤامرات المكشوفة للوقيعة بين الدول العربية والإسلامية، أو بالفتنة بين شعوبها وجيوشها.

في النهاية.. كل الإكبار للشهداء الأبرار ولقادة وجنود حرب أكتوبر الأبطال.. والتحية للرجال على كل الجبهات المتفجرة، المتصدّين لمؤامرات ما بعد أكتوبر، الهادفة لتكرار هزائمنا وإجهاض انتصاراتنا.