فجأة بدأ أقطاب جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر هجوماً متواصلاً على حكومة هشام قنديل التي جاءوا هم بها قبل بضعة أسابيع، وفجأة اكتشفوا أنها حكومة لا تمثل الثورة، وأنها تضم بعض فلول النظام السابق، وأنها ليست على قدر التحديات المطروحة !!

هذه الحكومة التي جاءت بعد طول معاناة ، حيث كان الرئيس مرسي قد تعهد قبل الجولة الثانية الحاسمة في انتخابات الرئاسة أن يأتي بحكومة تمثل القوى الوطنية وترأسها شخصية مستقلة. وعندما لم يستطع الإفلات من هذا الوعد جاء بهذه الحكومة التي تمثل خليطاً من الموظفين ومن أعضاء جماعة الاخوان المسلمين وأنصارها.

وكان اختيار رئيس الحكومة كاشفاً عن طبيعة هذه الحكومة، فالرجل لا علاقة له بالعمل السياسي من قريب أو بعيد، وهو كان حتى وقت قريب مديراً لمكتب وزير الري، ثم اختير في حكومة الجنزوري الأخيرة لتولي هذه الوزارة. أما الحكومة فلم تكن حكومة تكنوقراط لهم رؤية، بل كانت حكومة موظفين بلا برنامج.

فقد قالت إن برنامجها هو برنامج النهضة الذي طرحه خيرت الشاطر حين رشح نفسه للرئاسة، ثم ورثه الدكتور مرسي باعتباره المرشح البديل ثم انتهي الأمر بالإعلان (على لسان الشاطر نفسه) أنه لا يوجد برنامج للنهضة حتى الآن!

كان واضحاً أننا أمام واحدة من أضعف الحكومات في تاريخ مصر. ولكنها كما يبدو- كانت تحقق أهدافاً مطلوبة للجماعة وحزبها في هذا الوقت. فضعف الحكومة يطلق يد الرئاسة الجمهورية في الإمساك بمقاليد السلطة، خاصة في ظل الاختصاصات غير المسبوقة التي يملكها الرئيس مرسي في غياب البرلمان، والتي تضخمت بعد إقصاء المجلس العسكري. كما أن تشكيل الحكومة يضع في يد وزراء الإخوان عدداً من الوزارات المطلوبة لتوسيع نفوذهم مثل الاعلام التي تسيطر علي التليفزيون والإذاعة الحكوميين، والتعليم والشباب والأوقاف.

كل القوى السياسية عارضت التشكيل الحكومي والأسباب كثيرة وراء الرغبة في الإطاحة بالحكومة فهناك أولا- انتهاء الأمل في عودة مجلس الشعب المنحل، ولقد شهدت الأسابيع الأخيرة حملات ضغط كبيرة من جانب الجماعة في محاولة لإيجاد ثغرة قانونية تعيد المجلس للحياة. وعندها قد يستطيعون أن يمدوا في حياة المجلس ويمنحونه الحصانة في الدستور الجديد ولا تجري انتخابات جديدة.

هذا الترتيب كان سيضمن سيطرة كاملة للإخوان لأربع سنوات مع استمرار الرئيس والبرلمان في قبضتهم. الآن سقط هذا الترتيب ولم يعد هناك مفر من انتخابات تشريعية جديدة يخشى الاخوان ألا تعطيهم الأغلبية في البرلمان الجديد.

وهناك ما يجرى في الجمعية التأسيسية للدستور والتي يسيطر عليها الاخوان والسلفيون، والمهددة بالانفجار بعد تهديد القوي المدنية بالانسحاب منها . بالإضافة إلى انتظار صدور حكم قضائي ببطلان تشكيلها. ورغم أن الترتيبات الدستورية المعمول بها تعطي لرئيس الجمهورية الحق في إعادة تشكيل الجمعية التأسيسية ، إلا أن الثمن الذي قد يدفعه لقبول الأطراف السياسية الأخرى بالمشاركة هو أن يقبل هو بانتخابات رئاسية مبكرة بعد إقرار الدستور !

ثم هناك الحركة الدائبة في المعسكر الآخر لمواجهة ما يرونه من سعي للاستحواذ على الدولة من جانب الاخوان وإقامة الدولة الدينية. القوى الليبرالية تعمل على توحيد صفوفها في تنظيم يقوده عمرو موسى، وحزب "الدستور" انطلق برئاسة الدكتور البرادعي. وحمدين صباحي أطلق رسمياً التحالف الشعبي في احتفال شهد حضوراً جماهيرياً هائلاً في الأسبوع الماضي. وفي الوقت نفسه تتوافق الأحزاب الناصرية على التوحد، وتنسق أحزاب اليسار جهودها معاً.

لكن الأهم هو التقدم الكبير في جهود توحيد كل القوى الحريصة على الدولة المدنية. ولا شك أن لقاء البرادعي وحمدين صباحي وعمرو موسى مع ممثلي أحزاب أخرى في مقدمتها الوفد والاتفاق على التجمع في ظل "ائتلاف الوطنية المصرية" هو الخبر الأكثر إزعاجا بالنسبة للإخوان المسلمين وحلفائهم، لأنه يعني انها لا تستطيع تمرير الدستور الذي تريده، وأن عليها أن تستعد لانتخابات برلمانية (وربما رئاسية) حاسمة وقريبة!

٪ . . .

كانت هذه هي المهمة الأساسية التي يفترض أن تقوم بها حكومة قنديل وتتحمل تبعاتها، ثم ترحل، وقد بدأت بالفعل خطواتها الأولى على الطريق ولكن يبدو أن السيناريو يتعرض الآن للتغيير.

ليست المشكلة في حكومة تتغير فهي أساساً لا تملك من أمرها شيئاً. إنما المشكلة في هذا الاستقطاب الذي يزداد حدة يوماً بعد يوم والذي يتسم المجتمع ويهدد وحدته. والمشكلة في هذه الرغبة الهستيرية في السيطرة على مؤسسات الدولة ومحاولة تغيير هويتها. والمشكلة أن يتصور حزب ( أو جماعة) أنه قادر على أن يكون نسخة جديدة من الحزب الوطني المنحل وأن يرث الدولة ومؤسساتها.

والمشكلة ان يتصور أي طرف أن مصر بعد الثورة يمكن أن يعاد بناؤها من دون توافق وطني، فتكون النتيجة بعد عشرين شهرا من الثورة أننا امام برلمان تم حله، وحكومات عاجزة، وجمعية للدستور تحمل عوامل فشلها، ومواطنون يخشون من مستقبل غامض، وجيش يخوض معركة حاسمة ضد الإرهاب في سيناء، بينما البعض يرى فيما يجرى في سيناء نموذجاً يجب نقله إلى قلب القاهرة !!