لا تخطئ الإمارات طريقها نحو النهضة بجهود دؤوبة تسري من أعلى قمة هرمها إلى أوسع شرائح المجتمع، في توزيع متناغم في المسؤوليات والواجبات، للوصول إلى ما يرقى بالمجتمع إلى مصاف الدول الكبرى، بل وينافس ليحتل مكاناً بارزاً ومميزاً بينها، نعرف ذلك ونحن نشهد كل يوم خطوة نحو الهدف، مكلوءة بالإشادات العالمية لسرعة الإنجاز ودقته ووضوح رؤيته.

من قلب أوروبا وبحضور أقطاب العالم المتحضر، أجمع أرباب التكنولوجيا في فرنسا على ريادة دولة الإمارات في فن من فنون التكنولوجيا الرقمية، وجاء ذلك على شكل إشادة عامة من المشاركين في المؤتمر والمعرض العالمي لأنظمة الهوية الرقمية، بتجربة الإمارات في إنشاء مركز "التصديق الإلكتروني"، الذي يتيح إمكانية تأكيد هوية حاملي البطاقات عبر الشبكات الإلكترونية باستخدام الشهادات الرقمية أو البصمات الشخصية أو الرمز السري.

هذا المؤتمر العالمي الرائد في هذا الفن العصري للغاية، أقيم بالتعاون مع البنك الدولي، وضم عدداً كبيراً من المسؤولين الحكوميين والخبراء والمتخصصين من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وأميركا اللاتينية وآسيا وإفريقيا.

 ونحن وإن كنا لا نستغرب مثل هذه الإشادات، إلا أننا نفخر بها في جانب من جوانبها حين نرى ثمرات الإخلاص نحو بلوغ الأهداف الاستراتيجية دانية قريبة، ليس على مستوى الإمارات وحسب، بل على امتداد دول مجلس التعاون الخليجي لتآزر الأمن والاقتصاد والديمغرافيا في ما بينها، بحيث يكون التكامل مطلباً جوهرياً في إنضاج الجميع لمصلحة الجميع.

هذا الأمر الوحدوي مصيراً وأهدافاً واستراتيجية، لا سيما بين دول تربطها تجربة اتحادية تاريخية مثل دول مجلس التعاون، لم يعد ترفاً تنظيرياً تحتضنه النوادي الفكرية والصالونات الأدبية فيخرج ممزوجاً بأحلام اليقظة وتأوهات استحالة التحقيق، بل جعل منه الانفتاح الكوني واجباً تنموياً أمنياً اقتصادياً، جديراً بأن يضمن الرخاء للجميع أو يعود بالمعاناة على الجميع.

وها هنا تبرز المهمة الضرورية والواجب الملح للحكومات المواكبة لمسيرة النهضة بين شعوبها وفي إقليمها وعالمها، بأن تعمد إلى المسارعة بإدخال تغييرات جذرية في أنظمتها الداخلية لتطوير المنظومة الحكومية بوجه عام، لتجعل من استخدام الأنظمة التكنولوجية المتقدمة وسيلة حتمية للوصول إلى الأهداف الاستراتيجية نحو تطوير البنى التحتية، والارتقاء بها لتكون داعماً ورافداً لتعزيز حضور البنى الفوقية المعرفية بين الشعوب، لتكمل صورة التعاونات على قدم المساواة وفوق بساط الفرص المشروعة ومظلة الأمن الممتدة.

والإمارات لم ولن تكون غائبة عن هذا المضمار في يوم من الأيام، فالشواهد كثيرة على تكثيف العمل في المنحيين الخدماتي والمعرفي، لتعزيز مكانة الإنسان وتلبية احتياجات السكان، بما يضمن القدرة على تحقيق مقدمات القدرة على التنافسية بين أقطاب المعرفة العالمية.

ولا بد من تأكيد مبدأ يلزم من ورائه ترجمة البعد الحقيقي للتكامل والتعاون، يتضمن ثلاثة محاور على الأقل، هي الاقتصاد والأمن والرؤى الاستراتيجية المشتركة لمختلف القضايا الآنية والمستقبلية، وهي محاور لا يمكن أن تكتمل نضوجاً إلا بتوحيد الخطوات الكفيلة بسرعة إنضاجها، عبر اقتناص الثمرات العالمية المتطورة الضامنة لتحقيق الأمن وإنعاش الاقتصاد وتوحيد الطموحات، وهذا مما حرصت على تأكيده التوجهات التكنولوجية لدولة الإمارات والقائمين على ريادة هذا الاتجاه فيها، وذلك من خلال تطوير البنى التحتية وجعلها أيديولوجية تحتكم إليها جميع الخطط التنموية، لا أن تكون رفاهية حضارية تنقضي بانقضاء الحاجة أو الرغبة بتمثل زيها.

ولذلك تسعى أنظمة بطاقة الهوية "الذكية" المعمول بها في دول التعاون والتي تحاكي التجارب العالمية، إلى دعم الأمن الوطني وتطوير قطاع الخدمات وتحسين قواعد البيانات في المؤسسات الحكومية، في الوقت الذي توفر فيه أنظمة البوابات الإلكترونية الدرجة القصوى من تأمين الحدود وتقديم الخدمات بين الدول بأعلى درجات السهولة والأمان، وهو ما يشكل القاعدة العريضة لتنشيط الحركة الاقتصادية وتعميق أصولها، وتقوية عراها.

ومرة أخرى لا بد من التأكيد على الجانب الإنساني في جميع هذه المبادرات والخطوات، والدور الكبير المناط بالمجتمعات لتتمثل هذه القفزات الحضارية وتكون على مستواها النهضوي، فتستفيد منها في التكامل والبناء ومصلحة الجميع، لا أن تكون أداة لتقطيع الأوصال والنيل من نبل الأهداف المقصودة من ورائها، وهو جهد تربوي أخلاقي نعيد باستمرار التأكيد على أهميته، لأنه عماد أي نهضة أو وحدة أو تعاون.