عندما يكون لدينا حيوان نحبه، أو يشكل جزءاً من حياتنا، فإننا نعطيه اسماً ونتحدث عنه مع الآخرين باسمه هذا، وإذا كان الحيوان ذكياً فإنه يستجيب لنا بطريقته الخاصة. ومن خلال إطلاق اسم عليه، فإننا نعطيه شخصية خاصة، وطبعاً، الحيوانات تماماً مثلنا نحن البشر، لها شخصيات خاصة بها.

وكما يوجد بين الناس رجال ونساء طيبون وسيئون، بعضهم أذكياء والبعض الآخر أغبياء، كذلك فإن الحيوانات أيضاً تختلف بدرجة كبيرة في ذكائها. ومنذ أقدم الأزمنة، نجد أن الإنسان عندما تعلم الكتابة وتسجيل كل ما كان يحصل من حوله، كان يمنح الحيوانات أسماء خاصة بها.

 على سبيل المثال؛ آلهة الحيوانات في مصر القديمة لم تكن تدعى قطاً أو ابن آوى أو تمساحاً، وإنما كانت لها أسماؤها الخاصة، مثل باست وأنوبيس وسوبك. والكاتبة الفرنسية كوليت التي كانت تكن عاطفة قوية للقطط، قالت إنه لا يوجد ما يعرف بقط عادي، وقصدت بذلك أن كل قط لديه شخصيته وطابعه الخاص، ولهذا السبب نعطي حيواناتنا أسماء خاصة بها، أو على الأقل، الحيوانات التي تشاركنا في حياتنا.

ويحكي لنا التاريخ أنه عندما عاد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ منتصراً إلى مكة من المدينة، كان راكباً ناقة تدعى القصواء، وأن أبا بكر الصديق، صهر الرسول، وأول الخلفاء الراشدين في الإسلام، ومالك تلك الناقة، أراد أن يهدي الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ الناقة، لكن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أصر على شرائها منه مقابل المبلغ نفسه الذي دفعه أبو بكر.

ونعلم أيضاً أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان له جواد يدعى "السكب"، وبغل اسمه "دلدل" هدية من حاكم مصر القبطي المقوقس في ذلك الزمان، وقيل لنا أيضاً إن لونه كان أبيض وأسود يطغى بياضه على سواده.

وتخبرنا كتب التاريخ أيضاً عن الحيوانات التي كان يملكها أصحاب الجبروت والمشاهير. يقولون لنا، على سبيل المثال، إن الإسكندر الأكبر المقدوني الذي كان قد غزا معظم العالم المكتشف في زمانه، كان له حصان يدعى "بوسيفالوس"، وأنه كان شديد الولع به، وعندما نفق الحصان بنى له مدينة كاملة باسمه.

ونعلم أيضاً أن نابليون كان يملك جواداً أبيض اللون يدعى "مارنغو"، وأن كلب ونستون تشرتشل كان يدعى "روفوس"، وأن عدو نابليون اللدود، الأدميرال نلسون، كان عنده قط يدعى "تيدلس"، وأنه عاش على متن السفينة معه وقتل بقذيفة مدفع خلال معركة بحرية.

والقطط على ما يبدو كانت المفضلة عند الكتاب بالتحديد، حتى أن الكاتب الإنجليزي ألدوس هكسلي أعطى النصيحة العجيبة التالية: "إذا كنت تريد أن تكتب، فقم بتربية قطط". وقيل لنا إن "لورد بايرون"، أحد أعظم شعراء إنجلترا، كان لديه ما لا يقل عن خمسة قطط. والكاتب الإنجليزي العظيم الدكتور جونسون، كان يملك قطاً مفضلًا لديه اسمه "هودج"، وأفيد أن الدكتور جونسون كان يتحدث إليه في معظم الأحيان.

نتحدث عن الحيوانات ونقول "الحيوانات الغبية" فقط، لأنها لا تتحدث بلغتنا، لكن من يستطيع أن يقول إنها لا تفهم الكثير مما نقوله لها؟ أيضاً، أليست لديها طريقتها الخاصة في التواصل في ما بينها؟ الكاتب الفرنسي العظيم، ميشال دو مونتاين، الذي كان من الكتاب الأوائل الذين عالجوا علاقة الإنسان مع الحيوان، وأصر على أن الإنسان عليه مسؤولية نحوها، كتب أنه عندما كان يلعب مع قطته، لم يكن هناك من يستطيع أن يجزم أي منهما كان يستمتع بوقته أكثر!

ومن مجمل رجال التاريخ العظماء، فإن أيا منهم لم يظهر اعتباراً للحيوانات بقدر ما أظهر الرسول محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويتضمن القرآن الكريم والحديث الشريف، توجيهات حول كيفية معاملة تلك المخلوقات التي تشاركنا هذه الأرض.

وبحسب الإسلام فإن الحيوانات تشكل جزءاً من عالمنا ولها حقوق في حياة طبيعية، وأن الجنس البشري عليه أيضاً مسؤوليات تجاهها. وتظهر أهمية الحيوانات في الإسلام من خلال واقع أن ما لا يقل عن خمس سور قرآنية سميت بأسماء حيوانات، وأطلقت عليها أسماء مثل سور البقرة، النحل، النمل، العنكبوت والفيل. وكثير من آياتها يذكر تلك الحيوانات المختلفة، ويخبرنا على سبيل المثال: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ).

والإنسان بوصفه خليفة الله على الأرض، ينهض بمسؤولية العناية بغيره من مخلوقات هذا الكوكب، ليس فقط في سبيل استغلالها لمنافعه والتنعم بخيراتها، لكن في الوقت نفسه، ليستخدم قوته ومعرفته المتفوقة في تسهيل حياتها. ويعلمنا الإسلام، أكثر بكثير من الأديان السماوية الأخرى، أن الإنسان بإمكانه أن يستغل الحيوانات ويكسب رزقاً منها، من خلال استغلال قوتها وتوظيفها كوسيلة نقل، لكن عليه واجب الرأفة بها.

وقد جاء في القرآن الكريم: (وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ). فتخيل في تلك الأوقات، عندما لم تكن هناك دراجات هوائية أو سيارات أو سفن أو طائرات، مقدار اعتماد الإنسان على الحيوانات للتنقل من مكان إلى آخر! ومعروف أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يكن عاطفة خاصة للقطط، وفي أحد أحاديثه المشهورة يتحدث عن كيف أن امرأة ارتكبت خطيئة كبرى بحبس قطة من دون طعام ومياه، دون أن تسمح لها بالتجول للبحث عن طعامها.

والمرأة أخطأت ليس فقط لأنها لم تطعم قطتها، وإنما أيضاً لأنها أغلقت أمامها السبل. والتعاليم الإسلامية السمحاء، تحمل الإنسان المسؤولية عن أي حيوان يمتلكه، فإذا كان غير قادر على الاهتمام به، فإنه يتوجب عليه، على أقل تقدير، أن يسمح له بإيجاد طعام ومأوى لنفسه.

ويروى عن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ أنه عندما كان في المنزل، كان يقوم من مجلسه لكي يفتح الباب للقط للدخول أو الخروج، وفي ذلك الوقت لم يكن أحد قد اخترع "الباب الرفراف الخاص بالقطط" بعد. وللعلم، فإن "الباب الرفراف" اخترعه العالم العظيم سير إسحق نيوتن بنفسه.