مصر والقلق الإسرائيلي

ت + ت - الحجم الطبيعي

لا يهدأ بال إسرائيل ولا تنام عينها الساهرة وهي تترقب الوضع الداخلي في مصر، وتحولاته الممكنة، بعد انتخاب محمد مرسي رئيساً لمصر. تحاول أن تقرأ كيف ستسير الأمور، وفي أي مسارات ستسير السياسات المصرية الخارجية، في البيئة الإقليمية الجديدة التي بدت ملامحها بالظهور بعد صعود الإسلاميين في مصر، وانطلاق خطابهم الوطني التشاركي (كما أعلن مرسي)، مع باقي أطياف الشعب المصري من قوى سياسية وفكرية مختلفة.

الرعب الإسرائيلي يتأتى بالدرجة الأولى من خوف الكيان الصهيوني على مستقبل علاقاته مع مصر، هذه العلاقات التي أسست لها وبنتها معاهدة كامب ديفيد التي وقعت عام 1979. كما يتأتى الخوف الإسرائيلي من إمكانية عودة مصر لدورها الطبيعي في المنطقة، مقروناً بقوة حضورها الجغرافي والبشري (الديمغرافي) والتاريخي.

فإسرائيل تدرك في قرارة ذاتها، عبر عتاة السياسيين والأمنيين والعسكر فيها، أن التحول الديمقراطي الحقيقي في مصر لن يكون لصالحها، وأن انتخاب رئيس جديد لمصر بطريقة ديمقراطية نزيهة، سيعلي من صوت الشعب المصري، وصوت الشارع الرافض لمعاهدة كامب ديفيد، والرافض لأي شكل من أشكال التطبيع مع إسرائيل، باعتبارها العدو التاريخي لمصر ولعموم شعوب المنطقة.

فانتخاب رئيس جديد لمصر في بيئة ديمقراطية حقيقية، سيأتي بالتأكيد منسجماً مع صوت الشارع وصوت الناس على امتداد أرض مصر، هؤلاء الناس التواقون لعودة مصر لموقعها الطبيعي في المنطقة، ولدورها المنتظر في إسناد الكفاح الوطني التحرري العادل للشعب الفلسطيني، وفي مواجهة سياسات إسرائيل في عموم المنطقة.

ومنذ اليوم الذي أعلن فيه عن مغادرة حسني مبارك موقعه، بدأ القلق يضرب دواخل صناع القرار في إسرائيل، وكان هذا القلق يتزايد كل يوم مع الانفجارات المتتالية لأنبوب الغاز المصري المسال، الذي يذهب لإسرائيل قبل أن يتم إيقافه نهائياً قبل فترة وجيزة.

وعليه، فالعين الإسرائيلية الصهيونية ساهرة لا تنام الآن هذه الأيام، وهي تعيش بقلق وتخبط يلقي عليها غشاوة سميكة، تحاول تفحص الرؤية الممكنة لمسار الأحداث في بلد لو قدر لشعبه أن ينتزع كامل حريته، لتحولت مصر إلى قلعة في المنطقة لا تجرؤ عليها أي قوة طاغية، مهما تجبرت أو أوتيت من القوة.

إسرائيل تتخبط، وتبكي بحرقة على عهد يقولون عنه في إسرائيل إنه "عهد قد ضاع"، والمقصود عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك. فمصر ومنذ أكثر من ثلاثة عقود، وضعت في اليد الأمريكية التي باتت من حينها تتحكم في مسار الموقف السياسي المصري، خاصة تجاه الصراع العربي والإسلامي مع الكيان الصهيوني!

ومن شأن إسرائيل أن تقلق، ولساستها أن لا يأتي النوم إلى عيونهم وأن لا يغلقوا جفونهم، وقد عبر عن ذلك بحرقة وألم شديدين، الوزير الصهيوني السابق بنيامين بن أليعازر (فؤاد)، المعروف بعلاقاته الوطيدة والخاصة مع الرئيس المخلوع حسني مبارك، الذي بكى وتوجع على مصيره وأهداه وفاءه في مقدمة كتابه الأخير الذي صدر قبل أسابيع قليلة في تل أبيب.

إن بن أليعازر محق في بكائه على حسني مبارك، الذي وفر للكيان الصهيوني المعطيات والظروف الثمينة، على مستويات الأمن والمال المخصص لميزانيات الجيش، وكذلك الوقت الكافي لتنفيذ مخططات التهويد والاستيطان في الضفة الغربية، والتلاعب بالأطراف الفلسطينية. وعندما يفكر المرء في ذلك، لا بد أن يفهم معنى "مقولة" بن أليعازر التي وصف فيها نظام مبارك بأنه "ذخر وكنز خسرته إسرائيل".

في هذا السياق، وقبل أسبوعين، كشفت صحيفة معاريف الإسرائيلية النقاب عن قيام وزير الخارجية الإسرائيلي الفاشي المتطرف أفيغدور ليبرمان، بتوجيه رسالة إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، اعتبر فيها أن الأوضاع في مصر تشكل مصدر خطر استراتيجي على إسرائيل، مطالباً باتخاذ ما أسماه "قرار سياسي شجاع" بإعادة بناء القيادة العسكرية الإسرائيلية على الجبهة الجنوبية مع مصر، وتحشيد قوة عسكرية بواقع فيلق مؤلف من أربعة ألوية عسكرية مجهزة، ورصد الميزانيات والإمكانيات اللازمة على ضوء أي سيناريو قادم. وفي هذا الإطار نستطيع أيضاً أن نلتقط معنى زيارة وفد عسكري أمريكي مصغر لمصر، وقيامه بتفقد المنطقة الشمالية بين مصر وقطاع غزة، في ثاني زيارة له لمحافظة شمال سيناء خلال فترة قصيرة.

إن معنى طلب الوزير ليبرمان المشار إليه، عميق في دلالاته، ويؤشر على مدى ما تراه إسرائيل بالنسبة لـ"مصر الشعب والأرض والتاريخ"، التي تبقى عدوة لها في كل الظروف.. فالنظم تنهار، والشعوب تبقى، والاتفاقيات والمعاهدات الظالمة تسقط في النهاية وتجرفها حركة التاريخ، لكن الشعوب تبقى، وقوة الحق لا يكسرها حق القوة.

طباعة Email