بينما يستعد الدبلوماسي الجزائري المخضرم الأخضر الإبراهيمي لزيارة دمشق، في بداية مهمته السياسية الصعبة بل "شبه المستحيلة" كما وصفها بنفسه، سعياً لوضع الأزمة السورية على طريق الحل السياسي المطلوب بدءً بوقف استمرار العنف الداخلي ومنع استمرار التدخل الخارجي، خلفاً للمبعوث الأممي والعربي السابق كوفي عنان الذي واجه الفشل لغياب الدعم السوري والإقليمي والدولي لمهمته، نتيجة استمرار العنف الداخلي، وانقسام الموقف السياسي الدولي.

لاتزال الأزمة السورية بفصولها المتوالية الدامية، وبامتداداتها الدولية المأزومة، وبتداعياتها الإقليمية المتفجرة ملفاً رئيسياً على المحافل المختلفة، في ظل حالة من التباين والارتباك والانقسام، وموجة من المبادرات العربية والإقليمية والدولية المتقاطعة، في ظل مأزق حقيقي لكل أطراف الأزمة، بسبب تصلب الأطراف السورية وراء مطالبها، وتورط الأطراف الإقليمية والدولية لتباين مصالحها، دون قدرة أي طرف على الحسم العسكري.

ثقل المسؤولية وصدق الإبراهيمي دفعه للإقرار بشعوره بـ"الذعر "عما يمكن أن يفعله والناس يموتون،، مشيراً إلى أن ما يزيد من صعوبة مهمته تعنت الحكومة السورية، وتصعيد العنف من قبل المسلحين، وشلل مجلس الأمن الدولي في ظل الحاجة للتغيير،..فهل ينجح الأخضر فيما فشل فيه كوفي؟

وفيما توالت الدعوات السورية للحوار الوطني لمناقشة مطالب التغيير بدلاً من الاقتتال والعنف، وبما لا يفتح الباب أمام التدخلات الأجنبية التي تعمل وفقاً لأجنداتها الخاصة، وبينما استجابت المعارضة الداخلية، وتمت إعادة صياغة الدستور وتغيير خمسة قوانين تتصل بالحريات السياسية واللامركزية الإدارية، وإجراء انتخابات برلمانية وفقاً لها، رفضت المعارضة الخارجية الدخول في الحوار إلا بعد تنحي الرئيس قائلة "لا حوار إلا بعد رحيل بشار"، وهو مالم يتحقق حتى اليوم!

تعددت المبادرات العربية والدولية والإقليمية، بداية بمبادرة الجامعة العربية التي طالبت بتنحي الرئيس السوري فأفشلها عدم واقعيتها وانحيازها لطرف المعارضة، وتعليق عضوية الحكومة في الجامعة بما حكم بالإدانة قبل التحقيق وقبل السعي الجاد للمصالحة، بما أفقدها القدرة على التواصل مع النظام والمعارضة معاً ورفض الحكومة السورية الاعتراف بها..

ومروراً بالمبادرة الروسية التي تواصلت مع الحكومة ومع المعارضة ودعت إلى وقف العنف أولاً والدخول في حوار سياسي بين الطرفين في العاصمة الروسية وصولاً إلى التغيير بالحل السوري تحت السقف السوري بما يتوافق مع الإرادة الشعبية وليس مع المطالب الأجنبية، والتي رفضتها المعارضة مع استمرار الرئيس.

فيما تمثلت المبادرات الغربية الأميركية والفرنسية والبريطانية منذ بداية الأزمة في شكل دعوات وانذارات علنية لتنحي الرئيس السوري وإدانة النظام ودعم المعارضة المسلحة بالمال والسلاح بما يزيد الاقتتال اشتعالاً، بل والتهديد بالتدخل العسكري عبر الناتو بمشروعات قرارات لمجلس الأمن الدولي تحت الفصل السابع، في محاولة لتكرار السيناريو الليبي الدموي بما حدد مواقع اصطفافها ليس فقط ضد النظام السوري بل أيضاً ضد سيادة ووحدة وسلامة الدولة السورية..

غير أن كل محاولاتها التي صعدت أعلى الشجرة سقطت نتيجة صلابة الموقفين الروسي والصيني بالفيتو، بما كشف انقسام الدول الخمس الكبرى في المجلس، بين غرب يريد الحل العسكري خدمة لإسرائيل ووضعاً لسوريا تحت مناطق النفوذ الغربي، وشرق يريد الحل السياسي منعاً لانفراد الهيمنة الغربية بالشرق الأوسط تحقيقاً لمصالحه، واستناداً على نصوص المواثيق الأممية والقوانين الدولية توافقاً مع مبادئه.

وعلى المستوى الإقليمي خرجت من قمة مكة الإسلامية دعوتان الأولى سعودية "للحوار بين المذاهب" لذلك تأثيره الإيجابي على تهدئة الاحتقان المذهبي وإطفاء نيران الفتن والتي تشكل خلفية الأزمة السورية، والثانية مصرية باقتراح تشكيل مجموعة عمل رباعية عربية إسلامية تركية إيرانية ومصرية سعودية للبحث عن حل سياسي لأزمة السورية.. لكن تلك الدعوة مع قرار القمة نفسها بإدانة النظام وبتعليق عضوية سوريا، بدا واضعاً للعصا في عجلات التحرك نحو الحل!

كما خرج بيان قمة طهران لعدم الانحياز ليرفض خيارين هما، الحل العسكري للقضية السورية، والتدخل الخارجي في الشأن السوري.. وليرحب بمبدأين هما، الحل السياسي عبر الحوار السوري، بجهود المبعوث الأممي والعربي الأخضر الإبراهيمي الرامية لإيجاد حل سلمي لهذه القضية. ودعا البيان الختامي إلى إيجاد مخرج من الأزمة عبر نبذ العنف وقيام الحكومة بإصلاحات، فضلاً عن رفض العقوبات على سوريا بما يزيد المعاناة الانسانية للشعب السوري.

وليبقى أهم ما يحمله الإبراهيمي في "صندوق أدواته" لإنجاح مهمته عدة مبادئ وروافع هي النقاط الست لعنان، وبنود جنيف للدول الخمس الكبرى، بالإضافة إلى عدة مبادرات، الأولى مصرية بمجموعة إقليمية رباعية، والثانية إيرانية بترويكا ثلاثية لحركة عدم الانحياز، والثالثة عراقية بنقاط محددة تتبناها في الإطار العربي باعتبارها رئيسة القمة العربية.. فهل تنجح المبادرات دون صدق الإرادات.. أم تصدم بالحائط لحضور الأغراض وغياب الآليات؟!