كان المكتب المركزي للإعلام في لندن، هو المعادل لوزارة الإعلام في بلاد أخرى، لكنه على مدى سنوات عدة، لم يبذل جهداً لفعل أي شيء للعالم العربي، ثم فجأة بدأ في إصدار مجلة تدعى «العالم».

وكانت مجلة ملونة تحتوي على مقالات حول مواضيع عدة، وصفحتين في الوسط تعرضان صور بضع نساء جميلات، وكانت المجلة تباع بأرخص الأثمان، بالنسبة لمجلة على هذا المستوى الجيد من الإنتاج.

غير أنه كان من الواضح أن المجلة تصدرها إنجلترا كأداة للدعاية لها، ومن هنا، فقد تقرر أنه يمكن تغيير هذا الانطباع من خلال إدراج إعلانات في المجلة. وكنت أعاني حينها من شظف العيش عبر ترجمة وثائق قانونية من اللغة العربية إلى الإنجليزية، وكنت قد أسست شركة باسم «خدمات ومبيعات الشرق الأوسط».

وكنت أؤدي عملي انطلاقاً من شقتي، وبالتالي، لم يكن علي دفع نفقات إضافية على سبيل الإيجار.

وعندما علمت بأن المكتب المركزي للإعلام سيدرج إعلانات في مجلته «العالم»، كتبت لهم رسالة على أوراق مكتب «خدمات ومبيعات الشرق الأوسط»، وطلبت منهم أن ينظروا في طلبي العمل كوكيل إعلاني لهم، وبعد يوم أو يومين تلقيت اتصالاً هاتفياً من أحد الأشخاص في المكتب المركزي للإعلام، قال لي إنهم يرغبون في زيارتي في مكتبي لمناقشة إمكانية تمثيلهم بوصفي وكيلهم الإعلاني.

وبما أنه لم يكن لدي مكتب خاص بي، فقد ذهبت إلى صديق يعمل لدى إحدى المنظمات وسط لندن، وطلبت منه أن يسمح لي باستخدام مكتبه، خلال فترة ما بعد الظهيرة. ومن ثم غطيت جدران مكتبه بأمثلة متعددة من الكتابات بالخط العربي، وكدست على المكتبين في الغرفة كتباً ومجلات بالعربية، ومن ثم طلبت من فتاة الاستقبال مساعدتي، من خلال التظاهر بأنها على علم بشركة تدعى «خدمات ومبيعات الشرق الأوسط»، وتمنيت عليها أن تصطحب من يأتي ليسأل عن الشركة، إلى الغرفة التي كان يشغلها صديقي من قبل.

وفي وقت لاحق، قدم رجلان نفسيهما لموظفة الاستقبال، وقالا إن لديهما موعداً مع «مكتب خدمات ومبيعات الشرق الأوسط»، فاصطحبتهما الفتاة إلى المكتب، حيث كنت في انتظارهما.

وقاما بعدها بالاستفسار مني عما يقوم به مكتبي، فقلت لهما إنه متخصص في الترجمة من وإلى اللغة العربية. فسألا: إذن أنت ملم باللغة العربية؟ فرددت عليهما بالإيجاب، وقلت لهما إنني قمت بترجمة عدة كتب من اللغة العربية إلى الإنجليزية.

فقالا: أنت بالتالي قادر على قراءة مجلة «العالم»؟ فأجبتهما أنني بالطبع قادر على ذلك، ومن ثم تناولت نسخة من المجلة، وبينت لهما أنه يمكنني قراءة كل المقالات وفهمها.

ثم سألاني عن خبرتي في بيع المساحات الإعلانية، فأجبتهما بكل صراحة: لا خبرة لدي على الإطلاق، لكنني لا أرى أنني سأواجه صعوبات في بيع مساحات إعلانية فيها. وقلت لهما: بالتأكيد كل الإعلانات ستكون باللغة العربية.

فنظر الرجلان إلى بعضهما، وأجاب أحدهما: أعتقد ذلك. فقلت لهما: بما أن قراء المجلة جميعهم سيكونون من العرب، فإن الإعلانات يجب بما لا يقبل الشك أن تكون باللغة العربية، فأومآ برأسيهما موافقين.

وقد اقتنع الرجلان بأن بيع المساحات الإعلانية سيكون أسهل بلا حدود من إنتاجها فعلاً باللغة بالعربية. وفي الأسبوع التالي، تم استدعائي للحضور إلى المكتب المركزي للإعلام لتوقيع اتفاق ومناقشة التفاصيل، مثل الأسعار التي ينبغي أن تناط بخدماتي وغيرها.

ومن جهتي، واجهت بعد ذلك صعوبات في كيفية بيع مساحات إعلانية. وقد استحصلت على نسخ من بعض الصحف والمجلات العربية، ودونت ملاحظات عن مختلف الشركات الإنجليزية التي تنشر إعلانات فيها، ومن ثم وجدت اسم مديرهم الإعلاني، وحجزت موعداً معه.

وسرعان ما اكتشفت أنه يوجد شيء لا غنى عنه يدعى «الكتاب الأزرق»، وهو يحوي كل أسماء متعهدي الإعلانات وعناوينهم في إنجلترا، والمنتجات المختلفة التي يمثلها كل منهم.

وكنا ما أن نقنع متعهداً بفوائد الإعلان في مجلة «العالم»، حتى نجد أن واحداً أو اثنين من زبائنه أصبحوا معلنين منتظمين في المجلة. واكتشفت أيضاً أنه ما إن يقتنع متعهد الإعلانات بمجلة معينة، حتى يشترك بنصف دزينة أو أكثر من الإصدارات لهذه المجلة، ويستخدم الإعلان نفسه في كل إصدار.

وسرعان ما تمكنت من جذب إعلانات من مصنعين معروفين جيداً، ينتجون أشياء متنوعة من الإطارات إلى السجائر إلى الدواء ومعجون الأسنان وغيرها.

ولم يمض وقت طويل حتى كانت المساحة المخصصة للإعلانات في «العالم» قد امتلأت، وكان على المجلة زيادة حجمها في سبيل استيعاب المزيد من الإعلانات.

وأصبح أيضاً العمل في مجال بيع المساحات الإعلانية أسهل، لا سيما مع رؤية الشركات أن منافسين لها يأخذون مساحة في المجلة، وبعد أن وجدت الشركات في العالم العربي أن المنتجات التي تمثلها معلن عنها في المجلة. وأثناء ذلك، وجدت شركة «خدمات ومبيعات الشرق الأوسط»، أن عملها كمتعهد إعلانات لمجلة، يتطلب مع الوقت جهداً أقل، وأن أرباحه تزداد تباعاً مع مرور الوقت.