في عام 1996، بعد معركة من أشرس المعارك دفاعاً عن حرية الصحافة، أيقن الرئيس المصري السابق حسني مبارك أن القانون الذي أصدره قبل عام والذي فرض قيوداً غير مسبوقة على الصحافة المصرية لا يمكن أن يبقى مع المعارضة القوية التي توحدت فيها كل القوى الوطنية في رفض القانون الذي اشتهر بـ" قانون اغتيال الصحافة"، ولإيجاد مخرج للتراجع، دعينا للقاء مع الرئيس السابق ضم بعض القيادات الصحافية والنقابية مع مجلس نقابة الصحافيين الذي كان يرأسه يومها الزميل إبراهيم نافع.
ودخلت في حوار مطول مع الرئيس السابق كان موضوعه يومها الحبس الاحتياطي للصحافيين الذي عاد قبل أيام ليكون محور الاهتمام في مصر، قلت يومها للرئيس السابق إنه رغم التراجع عن القانون الذي كان يهدد باغتيال الحريات الصحافية، إلا أن مشروع القانون الجديد يبقى على بعض آثار القانون البغيض ومنها الحبس الاحتياطي للصحافيين عند اتهامهم بإهانة رئيس الجمهورية.
وقلت إن الحبس الاحتياطي كان قد اختفى تماماً من حياة الصحافيين مع صدور قانون النقابة في عهد جمال عبد الناصر.
وأنه من غير المعقول أن نعود بعد ربع قرن عن هذا الإنجاز، ورد مبارك يومها بأنه لا يريد حبس أحد، ولكن هل يجوز توجيه إهانات للرئيس ؟ وأجبت بأنه لم تتم محاكمة صحافي واحد بهذه التهمة منذ إعلان النظام الجمهوري في مصر ! وبالتالي فليس من المقبول أن نفتح الباب للحبس الاحتياطي في جريمة وهمية.
لكن مبارك رد بأنه لن يلجأ لطلب حبس صحافي بهذه التهمة أو غيرها. وقلت إن القوانين تصدر لكي يتم تطبيقها وليس للزينة. وأنه إذا لم يلجأ لهذا السلاح، فسوف يأتي رئيس آخر بعده ويستخدمه.
وقال مبارك إنه ليس مسؤولاً عما يفعله أي رئيس آخر. وكان ردي : بل ستكون مسؤولاً إذا لم تعد بالأوضاع إلى ما كانت عليه طوال ربع قرن وإذا لم تحذف النص الذي يفتح أبواب الحبس الاحتياطي للصحافيين مرة اخرى.
وانتهى الحوار يومها بأن قال مبارك إنه سيوافق على ما يصل إليه الحوار بين ممثلي النقابة والدكتور الجنزوري رئيس الوزراء آنذاك.
وللأسف بقي النص على الحبس الاحتياطي في جريمة واحدة من جرائم النشر هي إهانة الرئيس، لكنة لم يستخدم على مدى ستة عشر عاماً تالية، حتى تم استخدامه في الأسبوع الماضي مع رئيس تحرير صحيفة "الدستور" لتثور عاصفة اضطرت السلطات للتراجع، وجاء الحل بإصدار الرئيس مرسي قراراً بقانون يلغي فيه الحبس الاحتياطي في هذه الجريمة، وإن بقيت إجراءات المحاكمة في التهمة الأصلية التي يحاكم بها رئيس تحرير "الدستور" والموجهة أيضاً لصحافيين آخرين من بينهم عادل حمودة وعبد الحليم قنديل.
حيث تحقق النيابة في مئات البلاغات المقدمة من جماعة "الإخوان المسلمين" تدور كلها حول هذه التهمة التي توجه لأول مرة منذ ستين عاماً، تهمة إهانة الرئيس والتي تصل عقوبتها إلى الحبس لثلاث سنوات.
لا شك أن الرئيس المصري سوف يتجنب أن يكون طرفاً في أزمة مع الصحافة، لكن المشكلة أن الأزمة موجودة بين الصحافة وبين جماعة الإخوان المسلمين التي ترى أن الإعلام يقف ضدها، وتتصرف بمنطق الحزب الحاكم الذي ينبغي ان تكون له الهيمنة على الصحافة والإعلام.
دون اعتبار إلى ان الأوضاع بعد ثورة يناير لا يمكن أن تكون نفسها قبل الثورة، وأن مخاوف الصحافيين هي جزء من مخاوف كل المثقفين والمبدعين الذين يرون نغمة العداء للفن والإبداع تتزايد، وأصوات المعادين لحرية الرأي ترتفع، ومحاولات الهيمنة على وسائل الإعلام لا تتوقف.
توابع تعيين وزير الإعلام من أعضاء الجماعة، وتغيير أكثر من خمسين رئيس تحرير للصحف القومية مازالت تتواصل، غير أن الأخطر هو ما يحدث في اللجنة التأسيسية للدستور والتي يسيطر عليها "الإخوان" وحلفاؤهم. حيث شهدت الأسابيع الماضية مناخاً سيئاً عند مناقشة المقترحات الخاصة بالحريات.
لكن التلاعب وصل إلى حد إلغاء الإنجازات التي تحققت في العهد السابق قبل الثورة، فقد فوجئنا بمحاولة النص على عودة الحبس في قضايا القذف والسب، وكذلك بمحاولة قصر منع تعطيل الصحف على ما يحدث بالطريق الإداري، مع أننا في التعديلات التي تمت قبل ست سنوات ألغينا كل ما يتعلق بإمكانية تعطيل الصحف أو مصادرتها ولو بأحكام قضائية.
وما يزيد الأمر التباساً أن الأمل في موقف أكثر انحيازاً للحريات كان قد انتعش مع تعيين المستشار محمود مكي نائباً لرئيس الجمهورية، وتعيين أخيه المستشار احمد مكي وزيراً للعدل، وكلاهما كان عنصراً فاعلاً في حركة استقلال القضاء، لكن يبدو أن الضغوط على الرجلين كبيرة، وهكذا وجدنا أنفسنا أمام اشارات متضاربة .
ففي الوقت الذي يعلن فيه نائب الرئيس عن ثورة تشريعية لصالح الحريات، وعن الغاء الحبس في جرائم النشر واستبداله بالغرامة والتعويض، يفاجئنا أخوه وزير العدل بتصريح ناري يقول فيه إن إلغاء الحبس والسجن في جرائم النشر أمر مستبعد وأنه يعكف حالياً على إعداد مشروع قانون "يمنع الصحافة من الكذب" وانه كان يحلم بإلغاء الحبس لكن الموعد بعيد جداً لتحقيق الحلم، لأن الغرامة والعقوبات التأديبية التي تصل إلى المنع من مزاولة المهنة وشطب الصحافي من جداول النقابة، كلها عقوبات لا تكفي لإصلاح الصحافة !
إذا كان هذا هو تصور وزير العدل القادم من صفوف حركة استقلال القضاء والدفاع عن الحريات فعلينا أن ندرك حجم الضغوط في هذا الملف، وعلينا أن نتوقع معركة شرسة داخل لجنة الدستور حول المواد الخاصة بحرية الرأي والتعبير واستقلال الصحافة. وعلينا ان ننتظر أياماً قد تكون صعبة للصحافة وللحريات، ولكنها ستكون أصعب للحكم .. فالتاريخ يقول إنه عندما يدخل النظام في معركة مع الصحافة في مصر ، فهناك أزمة في الحكم !