لدى انتهاء الحرب العالمية الثانية بين الحلفاء ودول المحور، في مسرح العمليات الأوروبي، سمح لي بترك العمل في هيئة الإذاعة البريطانية، وأسعدني أن أعثر لنفسي على وظيفة في المجلس البريطاني في القاهرة.
غير أن الأمور لم تمض على نحو جيد بالنسبة لي في علاقتي مع رئيسي في العمل، وهكذا فإنني بعد أن أنهيت العمل طوال العامين المنصوص عليهما في العقد، وجدت أن العقد لم يتم تجديده، ولم أكن أرغب في مغادرة القاهرة والعودة.
ولذا فقد كنت محظوظاً عندما وجدت نفسي وقد عرضت علي وظيفة للتدريس في جامعة القاهرة، التي كانت تعرف آنذاك باسم جامعة فؤاد الأول. وكنت في هذا الصدد محظوظاً للغاية، ويرجع ذلك بصفة أساسية إلى نوعية الناس الذين قدر لي أن يكونوا زملائي، فقد كانوا جميعاً من عشاق القاهرة، ولهم اهتمامات عديدة خارج نطاق التدريس في الجامعة.
كان هناك شخص قدر له أن يصبح صديقاً لي، يدعى جون براي. كان رجلاً وسيماً، ممشوق القوام، وقد عاش حياة صعبة بشكل خاص، فقد شارك في الحرب الأهلية الإسبانية ضد قوات فرانكو، وعندما اندلعت الحرب ضد ألمانيا، التحق بسلاح الجو البريطاني، وتم إسقاط طائرته في الغارة المبكرة التي شنت على نارفيك في إسكندنافيا، فأمضى الحرب بأسرها في معسكر اعتقال نازي لأسرى الحرب.
بعد ذلك، مضى جون براي مع زوجته إلى القاهرة للتدريس في الجامعة، وكان محظوظاً، حيث حصل على وظيفة محاضر في جامعة القاهرة، دون أن يكون هو نفسه قد التحق بالتعليم الجامعي، غير أنه في مجالات أخرى كان واحداً من أولئك القلائل الذين يطاردهم سوء الحظ على امتداد أعمارهم.
في هذا الإطار، أسر لي جون براي ذات يوم بأن الجامعة لا تدفع له راتبه، وقد مر عليه في عمله فيها ثلاثة أشهر، ومع ذلك لم يستلم من راتبه قرشاً واحداً. وقد أنفق كل مدخراته على الإيجار والطعام، وكان بحاجة ماسة إلى أن تبدأ الجامعة في دفع رواتبه له.
وقد مضيت بالأمر إلى براين ديفز، الذي كان رئيس القسم الذي نعمل فيه، فبادر بدوره إلى الاتصال بالمسؤولين المصريين في الجامعة، وحدثهم بما يتعرض له جون براي.
غير أنهم أكدوا له أن راتبه يحول إلى حسابه في البنك. وهكذا قال لي براين ديفز: «قل للسيد براين إن عليه أن يمضي إلى بنكه ويناقش الأمر مع المسؤولين هناك، ويبلغهم بأن الجامعة تدفع راتبه بانتظام من خلال التحويل إلى حسابه في البنك».
مضى المسكين جون إلى البنك بصورة يومية، لا لشيء إلا ليقال له إن الجامعة لم تدفع شيئاً على الإطلاق. فحار في أمره وعجز عن التوصل إلى حل يمكنه تخليصه من هذه المعضلة، وفي نهاية المطاف مضى إلى السلطات وطلب إعطاءه بطاقة سفر للعودة جواً إلى إنجلترا.
لم يكد جون براي يعود هو وزوجته إلى إنجلترا حتى تلقى رسالة اعتذار صريح من جامعة القاهرة، تبلغه فيها بأن راتبه في حقيقة الأمر لم يحول من قبل الجامعة إلى البنك، وأن الشخص المسؤول عن المسائل المالية في الجامعة قد تم استبداله.
وعندما عرضت على جون العودة إلى وظيفته في الجامعة، رد قائلاً إنه سيعود إلى مصر، ولكن بشرط واحد هو أن يتم تشغيل زوجته في الجامعة، حيث إنها كانت مؤهلة بشكل أفضل منه، على الأقل على الورق، حيث حصلت على درجة الدكتوراه من جامعة كامبردج.
وقد تمت الموافقة على شرطه هذا، وأسند منصب جامعي بالفعل له، وآخر لزوجته في جامعة الإسكندرية، التي كانت تعرف آنذاك باسم جامعة فاروق الأول، وكانت قد افتتحت حديثاً. ورغم ذلك، فإن الزوجين ما إن وصلا إلى الإسكندرية حتى اندلعت أزمة السويس، وتم فصلهما من وظيفتيهما وأعطيا بطاقتي سفر للعودة جواً إلى إنجلترا.
وقد اكتشفت الخطوة التالية في حياة جون براي، عندما كنت واقفاً في محطة الحافلات في شارع أوكسفورد قبالة أحد المتاجر، عندما اقتربت حافلة من المحطة وتوقفت فيها وترجل منها جون براي. وعندئذٍ دعوته هو وزوجته لتناول طعام العشاء معي في ذلك المساء، وخلال تناولنا العشاء علمت أنه قد حصل على وظيفة تدريس في قبرص.
كنت بالطبع على معرفة وثيقة بقبرص، وساورني أنا وزوجتي الشعور بالتشاؤم حيال مستقبل تلك البلاد، حيث إنه في ذلك الوقت كانت هناك حرب أهلية تدور رحاها بين أبناء الجزيرة وأولئك البريطانيين الذين اختاروا أن يستوطنوها. وأتذكر بوضوح بالغ، أن زوجتي قد حذرت جون براي من شغل الوظيفة المعروضة عليه في قبرص، ونصحته بالبقاء في إنجلترا إلى أن يتمكن من إيجاد وظيفة لنفسه في بقعة أخرى من العالم.
غير أن جون براي الذي كان يتعاطف مع القبارصة وليس مع المستوطنين البريطانيين هناك، أصر على شغل المنصب المعروض عليه، ولم يكد يعثر لنفسه على شقة يقيم فيها في العاصمة القبرصية نيقوسيا، حتى أطلق أحد القبارصة النار على رأسه من مدى قريب، وقتله.
مضت أرملة جون براي إلى باريس، حيث حققت لنفسها شهرة مدوية في عالم الأدب هناك، وقيل إنها قد أصبحت خليلة أحد أبرز الأدباء في العاصمة الفرنسية. وأعتقد أنه نادراً ما كانت هناك في الدنيا حياة لرجل في مثل شموخ قامة جون براي، تكلل بمثل هذا القدر من سوء الحظ، بحيث تصبح حياته في نهاية المطاف سلسلة من الكوارث التي تتوالى تباعاً، كارثة إثر أخرى.