حين تطالعنا الإحصاءات الرسمية في الدولة بأن نصف عدد سكان الإمارات، هم ممن تقل أعمارهم عن خمسة عشر عاماً، نعلم عندها عظم المسؤولية التي تلقيها على عاتق المختصين والمسؤولين قضية حماية الطفولة، والخطر الكبير الذي يتربص بالمجتمع إذا سمح لأي خلل أن يتسلل إلى هذه الكتلة البشرية الهائلة، ومدى الرفد الاجتماعي العظيم إذا أحسنّا نقل هذه الشريحة إلى بر الأمان العمري، حيث يستطيع كل فرد منهم تولي زمام أمور حياته.
وتحتل مسألة حماية الطفولة أعلى اهتمامات وزارات الداخلية والمؤسسات الأمنية في العالم المتحضر، لأنها تعلم الرصيد الكبير الذي ينطوي عليه الاهتمام بها، ولذلك تعمل الإمارات منذ نشأتها على صياغة القوانين الضامنة لمراعاة تطور حاجات هؤلاء الأطفال، نظراً لتجدد التحديات التي تواجهها وكثرة الملابسات التي قد تحوم حول شجرة الطفولة لتنال منها.
وربما كانت الدول في ما مضى تكتفي ببرامجها الخاصة لتأمين القدر اللازم من الحماية للأطفال، يوم أن كانت حدود المدن أو القرى هي حدود الأبواب المشرعة أو المغلقة أمام الأذى المتوقع للأطفال، غير أن الوضع قفز بشكل هائل حين أصبح الفضاء العالمي الافتراضي المصاحب لثورة الإنترنت والتقنيات الحديثة المتجددة، وسيلة لتحطيم الحدود والولوج إلى عالم الطفل الخاص من دون استئذان، لتعيث المنظمات المشبوهة فساداً في حياة الأطفال الذين تصل إليهم.
مما فرض على الدول التنادي لتكاتف الجهود العالمية المحترفة، للوقوف سداً في وجه أمثال هذه التوجهات المسيئة لبراءة الطفولة، وهذا ما سعت إليه الإمارات عبر الانضمام إلى القوة العالمية الافتراضية، وهي واحد من أكبر التنظيمات الدولية لحماية الطفل في العالم، وتضم نخبة من المؤسسات الشرطية والأمنية العالمية من الولايات المتحدة وكندا وأوروبا، وقد أنشئت في عام 2003 لمكافحة التحرش بالأطفال واستغلالهم جنسياً عبر الإنترنت، وتعمل على تفكيك شبكات الجريمة ضد الأطفال وتنسيق تحقيقات سرية في جرائم الإنترنت، وتبادل وتطوير المعلومات الاستخباراتية.
وفي ديسمبر المقبل تستضيف أبوظبي أعمال المؤتمر الخامس لهذه القوة العالمية، تحت عنوان "التعاون الدولي.. أداة لتمكين الوقاية".
ومما لا شك فيه أن المشرع الإماراتي كان حريصاً كل الحرص على إيجاد البيئة القانونية، التي توفر الحماية التشريعية لأبناء هذه الشريحة، من خلال كثير من النصوص الدستورية والقوانين، كما وفرت الدولة سبل الرعاية للأطفال من خلال التشريعات وسنّ القوانين التي تلائم طبيعتهم، مع حرصها على الانضمام إلى الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الطفل.
غير أن أهمية مثل هذا المؤتمر أنه سيناقش آليات الاستغلال على شبكة الإنترنت، ويستعرض قصص الضحايا كأداة لتمكين الوقاية والمخاطر المرتبطة بالتحقيقات حول استغلال الأطفال، والتشريعات التي يجب إقرارها بذلك الشأن، والتقنيات التي يستخدمها مرتكبو جرائم الاعتداء الجنسي على الأطفال، مقابل إيجاد تقنيات مستقبلية للتصدي لذلك التهديد وحظر المواقع الإلكترونية.
ومع اقتراب عودة أبنائنا إلى المدارس، لا بد أن تكون الجهات المسؤولة عن الطفولة ورعايتها وتعليمها، قد أعدت الخطط والبرامج الكفيلة بمرور العام الدراسي من دون آلام تصيب الأطفال، مما يحتم على الجميع تكثيف الجهود التوعوية قبل كل شيء، بدءاً من الأسرة وانتهاءً بالمجتمع الواسع مروراً بالمدرسة؛ البيت الثاني للطفل وحاضنته المعرفية، وهذا يرفع مستوى المحاسبة والمسؤولية على هذه الحاضنة التربوية، إذا بدر منها الخلل لأي طفل، كما يتوجب في الوقت نفسه إيقاع أقصى الإجراءات والعقوبات المتاحة قانونياً، على البيوت التي يساء فيها للأطفال.
والشيء الذي لا بد من الإشارة إليه، هو أن الأذى الذي قد يتعرض له الأطفال ليس محصوراً في الأذى الجسدي المعروف، وإنما يمتد حتى يصل إلى الأذى المعنوي النفسي أو حتى الأخلاقي واللفظي، فجميع هذه الأمور تترك أثرها على الطفل، وحتماً ستأخذ مكانها في شخصية الطفل باني المستقبل.
ومن هنا كانت ضرورة العمل على قانون حماية الطفل لتأمين حقوقه، على النحو الذي يتناسب مع التطور الحضاري الذي تشهده الدولة على جميع المستويات، ولضمان مستقبل آمن ومستقر لأطفالنا.