رغم الأزمة الاقتصادية التي ما زالت تراوح مكانها، وطالت أطراف دول الاتحاد الأوروبي عند اليونان وإسبانيا والبرتغال، ورغم عصف الربيع العربي الذي لم يسلم منه كثير من دول المنطقة، والذي ألحق أضراراً باقتصادات تونس واليمن ومصر بدرجات متفاوتة، فإن دول مجلس التعاون الخليجي ما زالت تنعم بالرخاء الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي، باختلاف ظروف كل بلد.
وقد استطاعت دولتنا بفضل قيادتنا الرشيدة، أن تحقق أعلى معدلات السعادة والرضا المجتمعي، وفي أقل من عقد من الزمان حصدنا المركز الأول عربياً في تقرير التنمية البشرية الأخير، ويحق لنا أن نسعد كثيراً وكثيراً جداً.. ولكن ما أشار إليه الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، يضعنا في مواجهة مع أكبر التحديات التي تواجهنا مستقبلاً، وأعني بها مشكلة المياه ومن ثم مشكلة الغذاء.
لقد برز مفهوم الأمن المائى ليشير إلى التحديات الكبيرة التي أصبحت تواجه دولاً عديدة، لا تستطيع بسبب مجموعة من العوامل الإيفاء باحتياجات سكانها من المياه العذبة، وهي تتفاقم في الدول ذات المناخ شديد الحرارة، كبلادنا التي تراجعت فيها معدلات تساقط مياه الأمطار، خصوصاً في الأعوام الثلاثة الماضية والعام الحالي على وجه الخصوص، إذ لم تسجل تدفقات الأمطار شيئاً يذكر سوى النزر اليسير والذي لا يروي الظمأ.
ومن الحقائق الثابتة تشابه الظروف الطبيعية والمناخية في الدول الخليجية، لأنها منطقة شديدة الجفاف عبر التاريخ، وتقل فيها الموارد المائية في وقت ارتفع فيه معدل استهلاك الفرد الخليجى يومياً للماء إلى 350 لتراً، وبسبب شح وندرة الأمطار وقلة المياه الجوفية، صار نصيب الفرد أقل من 100 متر مكعب مقابل 6.400 متر مكعب للفرد على مستوى العالم.
وفي معرض الحديث عن تحديات أزمة المياه، لوحظ أن مجموعة من العوامل قد تضاعف من هذه المشكلة في الإمارات، لأسباب عديدة لعل من أهمها الزيادة المطردة في عدد السكان، وغياب الترشيد.
ويرى البروفيسور "سيسار اسواران" مدير معهد السياسات المائية في جامعة سنغافورة الوطنية، أن المياه ليست ضرورية للحفاظ على حياة الإنسان فحسب، بل لها أهميتها في الحفاظ على الصحة العامة وتوليد الطاقة وإكثار الزراعة وتحسين البيئة والمناخ.
وبالنسبة للإمارات، فقد تزايد الطلب على المياه من 6 مليارات متر مكعب عام 1980، إلى 26 مليار متر مكعب حتى عام 1995.. كما أن معدل نصيب الفرد وصل إلى 170 متراً مكعباً عام 2000، حسب إحصاءات وزارة البيئة والمياه. ويتناسب ذلك طرداً مع ندرة المياه الجوفية قياساً على الطلب المتزايد للماء العذب.. واللافت للنظر أن الطلب للمياه يتزايد في المدن وفي المناطق الريفية بالمعدل نفسه، بسبب انعدام الترشيد.
ويلاحظ أن دول مجلس التعاون كانت قد حددت مرتكزات للسياسة المائية، عند انعقاد الدورة 31 في أبوظبي عام 2010، مع التركيز على علاقة الماء بالتنمية الزراعية، والمياه بالغذاء. ومع مرور الزمن وتزايد عدد السكان، تطفو قضية المياه على السطح لتمثل واحدة من أكبر التحديات المستقبلية، التي يتعين الانتباه لها والتي يهمنا التنبيه لها.
وفي تقديري أنه لا بد من تضافر الجهود والتنسيق بين كافة الوزارات والدوائر ذات العلاقة، لدراسة حاضر ومستقبل المياه في بلادنا، والبحث في الحلول الممكنة.. ذلك أن قضايا المياه وتحدياتها لم تحظ مع أهميتها بما يفيد ذلك.
ونظراً لأن تحديات أزمة المياه تهم كل دول الخليج العربي مجتمعة، يمكن إسناد المهمة للأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، للاستفادة من بعض التجارب الإقليمية والدولية لتطويع مفهوم الإدارة الكلية، لضمان استدامة التدفق المائي. والأمل معقود على كليات العلوم ومراكز البحوث في جامعاتنا، لسبر أغوار التحدي الماثل.
وربما يفرض علينا واقع الحال، الإيعاز لوزارة البيئة والمياه للنظر في إمكانية إنشاء مركز تخصصي لبحوث ودراسات المياه، يلتحق به خريجو كليات العلوم والجيولوجيا ويكون من مهامه إجراء المسوح الديمغرافية لقياس ورصد تدفقات المياه على مستوى الدولة، وإعداد خارطة تبين المخزون الاستراتيجي وبدائل نظم تحلية المياه.
والأهم من ذلك التنسيق مع أي مراكز مماثلة على الأصعدة الإقليمية والدولية، لأننا حسب علمي لا نملك حتى الآن قاعدة بيانات رقمية، يستدل منها على حجم المخزون الاستراتيجي لأهم سلعة استراتيجية في الحياة.. وهي المياه.