تحرك مصر العربية في الاتجاه جنوبا وشرقا بمشاركة فاعلة في القمم الثلاث، الإفريقية في أديس أبابا، والإسلامية في مكة، وغير المنحازة في طهران إيجابي..
لارتباط الدور المصري الاستراتيجي بدوائره الثلاث؛ العربية والإسلامية والإفريقية. ولأن إسرائيل هي مصدر التهديد الرئيسي، فإن السياسات الأمنية لهذه الدوائر لا بد أن تكون متوافقة لا متعارضة، ومواجهة لا متواجهة، وموحدة لا متفرقة.
ولأن حقائق التاريخ إضاءة لفهم الحاضر، وثوابت الجغرافيا أساسية لصنع السياسات، وباعتبار مصر الدولة الكبرى في قلب الوطن العربي والقارة الإفريقية، وبين دول إقليمية كبرى في الأمة الإسلامية مثل تركيا وإيران والسعودية، فإن علاقة التأثير والتأثر المتبادل بين الأمن الوطني والقومي والإقليمي، جبرية ومصيرية وفاعلة..
وهنا، دعونا نتذكر مشهدين مهمين لتأكيد هذه الحقائق ولاستعادة هذه الثوابت..
الأول، هو ما كان يحدث تاريخيا من ترابط طبيعي بين عواصم الدولة العربية الإسلامية في بغداد ودمشق والقاهرة، بدافع أمني وبارتباط استراتيجي، من أنه إذا تهددت العراق تأهبت سوريا، وإذا تهددت سوريا تحركت مصر.
والثاني، أن سيناء كانت ساحة الأمن والتهديد الأولى لمصر، وهنا نذكر أنه من بين ثماني غزوات استعمارية ضد مصر، جاءت اثنتان منها عبر المتوسط في الشمال، بينما جاءت الست الأخرى من الشرق عبر سيناء.
لا نتحدث عن التاريخ هروبا إلى الماضي، ولكن لاستعادة دروسه، وأهمها أن الفراغ السياسي والأمني الناتج عن نسيان أو تفكيك حقائق التاريخ وجبريات الجغرافيا، لا يمكننا من الخوض بوعي استراتيجي في ملفات الحاضر وقضاياه الحالية مصريا وعربيا وإسلاميا.. مصريا، بسيناء وما تواجهه من إرهاب تكفيري وتهديد صهيوني..
وعربيا، بما يجري من هجمة صهيو غربية لضرب الجيوش العربية كما وقع في العراق وليبيا والسودان، وكما يحدث الآن في سوريا، في الطريق إلى مصر والسعودية، بأيادٍ عربية وبتخطيط ودعم أطلسي، لتفكيك الدول العربية حماية للأمن الصهيوني.. وإسلاميا، بما يجري من نفس المتآمرين الصهاينة والغربيين، لإشعال الفتن المذهبية والطائفية والعرقية والسياسية وتوسيع الحرائق.
من هنا كان لقاء القادة العرب والمسلمين في قمة مكة، رسالة إيجابية لكل من يهمه أمر الوعي بالمؤامرة الكبرى، وضرورة اللقاء والحوار المذهبي والسياسي والأمني لمواجهتها.
ولهذا فإن الاقتراح المصري بتشكيل مجموعة عمل رباعية عربية إسلامية، من الدول الإقليمية الكبرى وهي مصر والسعودية وإيران وتركيا، والتي تجمع المذاهب الرئيسة في الأمة الإسلامية، لحل الأزمة السورية بالوسائل السياسية، ووقف نزيف الدماء والاقتتال الأهلى الآثم ذي الأبعاد المذهبية، ولمنع تداعياتها الإقليمية الخطيرة.
كما يأتي الإعلان المصري بحضور الرئيس المصري مؤتمر قمة عدم الانحياز في طهران نهاية هذا الشهر، رغم الغضب الصهيوني والقلق الأميركي، خطوة مطلوبة تؤكد أن مصر التى ترأس حاليا حركة عدم الانحياز وإحدى الدول المؤسسة لها، أصبحت بعد ثورة يناير أكثر استقلالا وأقل انحيازا في اتخاذ قرارها الوطني.
كما أضافت السياسة الخارجية المصرية لحرية حركتها الإيجابية وامتداد ساحات تعاونها الدولي لأهداف تنموية، أبعادا جديدة بقرار الرئيس محمد مرسي زيارة الصين الشعبية الصديقة، إحدى أكبر القوى العظمى، وماليزيا الإسلامية الشقيقة إحدى أكثر الدول الإسلامية تقدما، قبل زيارته إيران الإسلامية الشقيقة لتسليمها رئاسة حركة عدم الانحياز.
هذا بينما تشهد سيناء حاليا معركة عسكرية ممتدة، لتصفية بؤر الإرهاب المحلي التكفيري ولمواجهة أي تهديد خارجي، وهنا نؤكد مجددا أن التهديدات الحقيقية في العقود الماضية دائما ما كان مصدرها إسرائيل عبر سيناء، منذ الخمسينات وحتى اليوم..
ففي عام 1955 قامت قواتها بعدوان على الجيش المصري في غزة، لتهديد مصر بعد ثورة يوليو، وذلك في أعقاب إنجاز اتفاقية جلاء الإنجليز عام 54 عن قاعدة السويس، وكانت مصدر حماية لإسرائيل، مما دفع مصر لعقد صفقة الأسلحة التشيكية والاعتراف بالصين الشعبية لبناء جيشها. وهذا ما تكرره إسرائيل اليوم في سيناء، لمحاصرة غزة وتهديد مصر بعد ثورة يناير وإجلاء "كنزها الاستراتيجي" عن الحكم.
وهنا، فإن ما يقع على أرض مصرية هو مسؤولية مصرية أولا، وأيا كانت هوية المعتدين فإنه لامجال لتمدد التهديد الإرهابي الخارجي أو الداخلي في سيناء، إلا من بوابات فراغنا الأمني والسكاني والتنموي والعسكري، وإلا من ثغرات صراعاتنا السياسية اللامسؤولة..
وإلا من البنود الأمنية الضاغطة للمعاهدة المصرية الإسرائيلية. مثلما لا مجال لتمدد المؤامرات الاستعمارية الدوارة في الدول العربية والإسلامية، إلا في فراغ الصراعات السياسية والفتن المذهبية والطائفية والانقسامات العرقية، فلا يوجد سد عال لصدها إلا الوحدة الوطنية والعربية والإسلامية.