إذا كنا قد وضعنا الشباب في مقال سابق بين خطرين محدقين بهم، ومتربصين بهم من عدة جهات، وهما الخطر الفكري المنحرف عبر الشبهات المزلزلة لاستقرار الوطن، والخطر السلوكي الضار بالرصيد الأخلاقي للشباب عبر المخدرات وأرباب ترويجها، فإننا بذلك لا نقصد أبداً أن يقف الشباب بشكل سلبي أو دفاعي في أحسن أحواله، وإنما نرجو أن يكون لهم بلا شك دور إيجابي مبادر فاعل، هو ما يرجوه منهم الوطن، وهو الكفيل بأن يرقى بطاقاتهم ويقدم خبراتهم للمجتمع.
ولا شك أن المناهج التربوية التي تقتصر في تأسيس المنطلقات الفكرية للنهوض بالمجتمع، على الجانب التوعوي الوقائي، تعد قاصرة إذا ما نظرنا لمتطلبات التطور، والحفاظ على مسيرة النهضة غضة يانعة متدفقة متواصلة، بل لا بد لها أن تضع البرامج والخطط التربوية، لاستغلال طاقات الشباب وتوسيع الرؤى أمامها لترسم بجهودها مستقبل بلادها.
والنجاح الشبابي الاجتماعي يحتاج إلى تضافر الجهود من شتى الأطراف والمؤسسات، مع ضرورة تفعيل مختلف البرامج التربوية في هذا الميدان، للعمل على صناعة تيار من جيل الشباب قادر على الحفاظ على المكتسبات والنهوض بالمنجزات، وتحقيق الطموحات في ظل هذا الوطن الحريص على كل فرد من أبنائه، وهذا ما تم فعلاً في احتفالية الإمارات باليوم العالمي للشباب تحت شعار "بناء عالم أفضل بإشراك الشباب".
وها هنا لا بد من وقفة تقدير للجهود الكبيرة التي تبذلها مؤسسة الإمارات لتنمية الشباب، حين وضعت تفعيل دور الشباب الإيجابي في بؤرة اهتمامها، فسعت إلى تلمس أفضل القيم وتعزيزها وتطويرها بما يقدم الصورة المشرقة للشاب الإماراتي.
فقد ركزت المؤسسة في استراتيجيتها الجديدة التي أطلقها سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية رئيس مجلس إدارة المؤسسة، على ثلاثة محاور أساسية لبناء مستقبل مستدام للدولة، كان أولها يدور حول مفهوم القيادة والتمكين، حيث ستعمل المؤسسة على تزويد الشباب الإماراتي بالمهارات الحياتية والقيادية التي تناسب احتياجات سوق العمل، وهي عملية تأسيس في العمق الحياتي تعيد الثقة للشاب في نفسه وقدرته على تقديم شيء لنفسه ومجتمعه، بدلاً من حالة البطالة الفكرية التي يعانيها قطاع كبير منهم، والتي تجعل الشباب مجرد أرقام إحصائية لا جدوى منها.
ويدور المحور الثاني في هذه الاستراتيجية التنموية الشبابية، حول تأصيل مبدأ الدمج الاجتماعي، عبر التعرف إلى التحديات التي تواجه الشباب وتقف عائقاً أمام تحقيق تواصلهم الكامل مع مجتمعهم ومحيطهم، والمساعدة في وضع الحلول المناسبة للعمل على حلها، وعدم تركهم إذا صحت منهم التوجهات الحضارية، في معترك الحياة دون معين داعم، وهو ما نلاحظه عبر العديد من المؤسسات الداعمة للشباب، مثل مؤسسة محمد بن راشد لدعم مشاريع الشباب ومثلها كثير، وكلها تحرص على تحويل أفكار الشباب العملية إلى بيئة واقعية تصنع أحلامهم، ولا تبقى عرضة لرياح اليأس والإحباط.
ومحور ثالث لا يقل أهمية عن سابقيه، يتجلى في تعزيز المشاركة المجتمعية، وذلك من خلال تبني أعمال تطوعية مختلفة في البرامج الإنسانية والاجتماعية، الأمر الذي سيعزز لديهم قيمة المواطنة البناءة، وتضمين مفهوم العمل التطوعي بشكل دائم في ثقافة دولة الإمارات العربية المتحدة.
والتطوع مبدأ اجتماعي أصيل، إذا تم زرعه في نفوس الشباب ينقلهم من مرحلة الأنا الذاتية إلى الآخر الاجتماعي، ويوسع آفاق النظر لديهم للتفكير الجدي بالمجتمع والوطن، لا أن يكون تفكيرهم وطموحهم شخصياً بحتاً. وها هنا نقطة في غاية الأهمية ومبدأ تربوي كبير، فالمتطوع دائماً إنسان ناجح، لأن التطوع يغرس في النفوس الإصرار على التميز والنجاح، وهو ما نأمله ونرجوه في البرامج والاستراتيجيات التربوية التي نرسمها لشبابنا.
ولكننا لا بد أن نهمس في أذن الشباب المستهدف بهذه البرامج والخطط التنموية، بأن أساس نجاحها كامن في الشباب أنفسهم. فالخطوة الأولى نحو جميع المنجزات المأمولة تبدأ من الشباب، ولن تجدي ملايين الخطط والبرامج إذا لم يبادر الشاب إلى الثقة بها والسعي نحوها، ولذلك كان على هذه البرامج أن تقترب أكثر من فئات الشباب في المراحل العمرية المبكرة، للتعريف بالآفاق التي تفتحها أمامهم، حتى يرسموا طموحاتهم على ضوء هذه البرامج، لا أن تكون في آخر النفق، حيث تنعدم الثقة بكثير من الحلول.