تقول الآية الكريمة: "عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم" وعلى امتداد عمري تعلمت مرات كثيرة دروسا شتى في الحقيقة الكامنة وراء هذه الكلمات الكريمة. غالبا ما كان شيء يبدو بوضوح أنه سيء يقع، فيستبد الأسى بالمرء ولكن بعد أيام أو أسابيع أو شهور تحدث أشياء توضح لي أنه لو لم يحدث هذا الشيء المسمى بالسيء فإن أشياء أخرى أكثر سوءا كان يمكن أن تحدث.
هكذا فإنني بعد ذهابي إلى القاهرة في عام 1945 للالتحاق بالعمل في المجلس البريطاني هناك، اكتشفت بسرعة أنني لم أحب العمل هناك كما أنني لم أكن محبوبا فيه.
وكانت الفصول التي أقوم بتدريسها متأخرة في توقيتها المسائي، وقد وجدت أنني على الرغم من أنه أسندت إلي وظيفة تدريس اللغة العربية لطلاب مصريين، فإن مدرسين آخرين ممن كانوا يدرسون اللغة الإنجليزية في المستوى الابتدائي كانوا يحصلون على رواتب أفضل من راتبي. كما أنني تعرضت للانتقاد لقضائي وقتي كله مع أصدقاء مصريين بدلا من الاختلاط بزملائي البريطانيين.
وهكذا فإنني عندما أكملت مدة عقدي وهي عامان، لم أفاجأ عندما لم يتم تجديده، ولما كنت قد تزوجت التوي، فإن هذا كان بمثابة صفعة مدوية لي خاصة وأنني كنت ارغب في مواصلة الإقامة في القاهرة، ولكنني لم تتح لي فرص أخرى للحصول على وظيفة في العاصمة المصرية.
ولكن عندئذ حدث المستحيل، وأسند إلي منصب أستاذ في الجامعة المصرية، حيث وجدت أن ساعات التدريس أقل بكثير من نظيرتها في المجلس البريطاني، كما أن التدريس بكامله كان يتم في الصباح. كذلك وجدت أن الأساتذة في الجامعة أكثر إثارة للاهتمام بكثير.
مرضت زوجتي في ذلك الوقت فجأة واضطرت للعودة إلى انجلترا لتلقي العلاج، ومن هنا فقد اضطررت للبحث عن مكان أرخص في الإيجار للإقامة به، حيث قمت بهذا مع أستاذ آخر من الجامعة يدعى بيتر دوفال سميث ، وقد وجدنا دارا صغيرة غير مفروشة في منطقة المعادي بضواحي القاهرة. ولم تكن المعادي في ذلك الوقت قد تم تطويرها بعد كمكان يقوم فيه الأثرياء ببناء فيلات فخمة .
كان بيتر شخصا مثيرا للاهتمام، وأسعدني أن أشاركه السكنى في دار واحدة حيث كان قارئا مطلعا، وقد حصل على درجة علمية في الأدب الإنجليزي من إحدىالجامعات في جنوب إفريقيا. وكانت الحياة التي عشناها بدائية بشكل خاص، حيث أن الدار التي أقمنا بها لم تكن مفروشة من الناحية العملية، بحيث كنا نتبادل الرقاد في الفراش الوحيد الموجود بالدار أو على الأرض.
كان بيتر يتصرف في الجامعة ذاتها كما لو كان الرئيس، ويحصل على عدة أيام عطلة. وكان عندما يريد وحسبما يطيب له يمضي على سبيل المثال إلى اليونان لقضاء أسبوعين هناك، دون أن يكلف نفسه عناء إبلاغ بروفسور بريان ديفز الذي يشرف على عملنا.
وعلى الرغم من أن المرء يدرك أن بيتر كان شخصا استثنائيا، فإن عليه أن يأخذ في الاعتبار أنه كان قادرا على القيام بأكثر الأمور إثارة للانزعاج. فلم يكن يكترث حقا برأي الناس فيه. وهكذا فإنني أتذكر في إحدى المناسبات عندما تجمعنا فوق سطح إحدى البنايات، ظل بيتر يعكف على لعب الشطرنج مع زميل لنا في الجامعة، وعندما خسر الدور رفع رقعة الشطرنج وألقاها في الشارع.
كنت حاضرا أيضا عندما قام بيتر، بعد أن أعطي مخطوطة او كتاب يدور حوله وحول زواجه قصير الأمد من صحافية تدعى جيل نيفل. وقام بإعادة الكتاب إلى المؤلفة، فسألته عما إذا كانت لديه أي اعتراضات على نشرها للكتاب، وفي معرض الرد قام بيتر بإلقاء الكتاب عليها وهو يقول : " يمكن بحق الجحيم القيام بما تحبينه بهذا الكتاب".
غادر بيتر الجامعة بعد وقت قصير فحسب، ومضى إلى لندن حيث وظفته على الفور هيئة الإذاعة البريطانية، فالمرء لا يحتاج إلا لقضاء دقائق قليلة مع بيتر ليعرف أنه كان موهوبا بصورة استثنائية. وأتذكر أنه تم تعيينه للقيام بإجراء مقابلات مع شخصيات أدبية بارزة، كما أتذكر جيدا أنه تم إرساله إلى سويسرا لإجراء مقابلة مع الروائي الروسي العظيم فلاديمير نابوكوف الذي زرت مقبرته عقب ذلك بسنوات.
عندما غادرت القاهرة ومضيت إلى لندن ، علمت أنه يمكن العثور على بيتر في كل مساء فيما كان يعرف ب"مقهى البي بي سي"، وقد تصادف أنني استأجرت شقة بالقرب من هذا المقهى، وفي إحدى الأمسيات مضيت إلى هناك، ولم أدهش لرؤيته بصحبة أحد شعراء إنجلترا البارزين، وأتذكر أنني مضيت وتوقفت وراء بيتر ووضعت يدي على كتفه، فالتفت نحوي وحدق في وجهي ، ثم قال الكلمات التالية: "آخ، لكنك مت يا دنيس!" وأمسك بقدحه وأخذ رشفة منه. ولا شك في انه كان بذلك يشير إلى القنبلة التي ألقيت على حشد من الناس في أحد شوارع القاهرة الرئيسية في الأربعينات، وهو الحادث الذي أصبت من جرائه بجرح طفيف.
مضى بيتر بعد ذلك إلى الشرق الأقصى ، حيث يبدو أنه أصبح على نحو ما مدمنا على تعاطي الأفيون، فلقي حتفه من جراء جرعة زائدة.