يطل علينا هذا العيد الجديد بينما أشباح الانقسام تطل على أمتنا من بوابات الفتن المذهبية والعرقية والسياسية والمؤامرات الاستعمارية الشيطانية، ونزيف الدماء في الاقتتال الأهلي الآثم في سوريا ومذابح القتل العرقي للمسلمين في بورما وإرهاب التطرف المجنون في سيناء بما يشبه الانتحار الجماعي طوال ليالي شهر رمضان المبارك يدمي القلوب ويحير العقول بما يدعو المسلمين لوقفة مع النفس لتجاوز هذا الواقع المؤلم.

ولهذا تبدو الجهود الإيجابية لقمة " التضامن الإسلامي " التي استضافتها مكة المكرمة في ليلة القدر المباركة الماضية لتأسيس مركز " للحوار بين المذاهب " في الرياض، مثل "مجمع التقريب بين المذاهب" فى القاهرة برعاية الأزهر الشريف، وقفة ضرورية مع النفس لوقف الانقسام وباتجاه الوحدة الإسلامية، ولوأد الفتن الجاهلية وإحباط المخططات الاستعمارية فى العراق ولبنان وفلسطين وسوريا وعلى امتداد الأمة العربية والإسلامية.

وبينما انتصر العرب والمسلمون في معظم حروبهم الكبرى على أكبر القوى، سواء في " القادسية" أو القسطنطينية بقوة توحيدهم واتحادهم ونهضتهم، فلقد واجهوا أكبر هزائمهم سواء فى " غرناطة " أو فى " الآستانة "بسبب تفرقهم إلى مذاهب وأعراق.

 لكن المفارقة الكبرى، أنهم استطاعوا الانتصار على أعدائهم فى قتالهم مع غيرهم في الحروب الكبرى، بينما لم يستطيعوا الانتصار على أنفسهم في اقتتالهم مع أشقائهم فى الفتن الصغرى والكبرى، بل إن ما واجهوه من هزائم فى حروبهم الأخيرة إنما كان نتيجة طبيعية لانزلاقهم بغير علم إلى التفرق والتعصب أو لاندفاعهم بغير فهم إلى التنازع والاقتتال.

ولأن التاريخ هو أكبر مدرسة لتعلم كيفية صياغة الحاضر فى الطريق إلى المستقبل، واستيعاب دروسه يفترض أن يمنع المؤمن من أن يلدغ من جحر واحد مرتين، فإن تتابع الفتن سواء القومية أو الدينية، أو السياسية أو المذهبية التى تشق الصف الوطني والعربى والإسلامى حاليا يدعونا إلى التساؤل عما إذا كنا حقا قد فهمنا ماقرأناه من تاريخنا، أو علمنا وعملنا بما تعلمناه من تعاليم ديننا ؟

إن أوضح ما تعلمناه من دروس التاريخ هو أن الدين يوحد وأن السياسة تفرق، وأن الاتحاد قوة والتفرق ضعف، وأنه لا أمان إذا ضاع الإيمان، فتوحيد الله بالدين يوحد أهداف وصفوف المؤمنين تحت عنوان " كلنا مسلمون "، بينما يفرق تعصب الناس بالسياسة للأفكار أو للأشخاص أو للمصالح أبناء الدين الواحد إلى مذاهب متعارضة وأبناء الشعب الواحد إلى أحزاب بسياسات متنازعة.

كما أن أهم ماتعلمنا من تعاليم ديننا هو أن الإسلام فى نهجه التوحيدى الوحدوى يؤمن بكل ماسبقه من رسالات سماوية، ولايفرض الإيمان به بالقوة على غير المسلمين، بل يسعى إلى توحيد الكلمة بين المسلمين وغير المسلمين من المؤمنين برسالات السماء الثلاث على كلمة سواء.

إن أولى النتائج المنطقية لهذه الدروس الدينية والتاريخية تصب فى اتجاه تكريس نهج التوحيد والاتحاد بين المؤمنين، وإذا كان الله يأمر المسلمين باتحاد الكلمة والصف بدعوة غير المسلمين من أهل الكتاب إلى كلمة سواء على أساس القاسم المشترك الأعلى بين أتباع الرسالات السماوية الثلاث وهو وحدانية الله والأخوة بين الأنبياء والرسالات.

أفلا يكون من الأولى بالمسلمين من كل القوميات ومن أشياع كل المذاهب أن يجتمعوا على كلمة سواء بين بعضهم البعض على أساس القاسم المشترك الأعلى بينهم جميعا وهو وحدانية الله وإيمانهم برسول واحد واتجاههم إلى قبلة واحدة فى صلاتهم، والتزامهم بالأركان الخمسة نفسها فى إطار وحدة الدين الإسلامى. وإذا كان لاخلاف على الأركان والأصول ولكن فى بعض الفروع، وأن مايجتمعون عليه أكثر مما يختلفون فيه. فكيف يمكن للفتنة أن تمر إلا بقلب الحقائق؟! .

وبينما تواجه الأمة العربية والإسلامية سلسلة من الفتن الدموية المبررة والمصدرة بكل خطورتها وشرورها، فمن المهم أن ندرك أن التصادم فى حقيقته سياسي بين فريقين يمثلان أشياع وأتباع مشروعين سياسيين متصادمين هما مشروع عربي وإسلامي للمقاومة والتحرير والنهضة في مواجهة مشروع أميركى صهيونى يحاول بتصديرالفتن فرض الهيمنة على الشرق العربى والإسلامى.

ولزرع الفتنة بين العرب والعرب وبين المسلمين والمسلمين وبين العرب وإيران، وبين الأتراك والإيرانيين، يسعى أعداء العرب والمسلمين إلى شغلهم بمواجهة أنفسهم بدلا من مواجهة عدوهم، وذلك بتحويل الصراع السياسى إلى صراع مذهبى بائس بالتآمر وبالدسائس وبترويج الشائعات وبالشحن الطائفى ليحترق فيه كل العرب وكل المسلمين، وليمر تحت ساتر من دخان الحريق المشروع الاستعمارى الخبيث على أشلاء محترقة مسلمة شيعية كانت أم سنية ..لا فرق!

إن غالبية المسلمين في الواقع، سواء المتعلمين منهم والأميين، ترفض أن يتحول الاجتهاد الفقهى المفروض بين العلماء الذي يثاب بأجر إن أخطأ ويثاب بأجرين إن أصاب إلى إقتتال دموي مرفوض بين المسلم وأخيه المسلم، بينما الثابت والمعلوم من الدين بالضرورة فى كل المذاهب أن القتل والاقتتال جريمة محرمة شرعاً و.. " أنه إذا خرج المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار". بما يدعونا لوقفة مع أنفسنا مع "وقفة "هذا العيد لنتجاوز مانحن فيه إلى مانتطلع إليه .