لا يختلف اثنان في الدور المتعاظم الذي يسهم به علم الإحصاء في حركة التطور العلمي والتقني، فالإحصاء كعلم كان وسيظل من أهم العلوم التجريدية التي بنيت عليها أهم بل كل النظريات العلمية النظرية أو التطبيقية، وكان للعالم أينشتاين مقولة "بدون الإحصاء تصبح الحياة غلطة"، ولكم أشرنا أكثر من مرة إلى أن أزمة البحث العلمي في الدولة، ترجع إلى تعدد مصادر الإحصاءات وتباين مخرجاتها.

فحتى الآن لم يتحدد على وجه الدقة شكل الهرم السكاني في مجتمع الإمارات، ولا أحد يدري تماما ما هو واقع ومتغير التركيبة السكانية، أو معدل الخصوبة لدى المرأة الإماراتية، وما زالت معدلات الطلاق مختلفاً عليها بين المحاكم وأبحاث وزارة الشؤون وصندوق الزواج، وينطبق ذلك على معدلات الجريمة.

ولعل ذلك ما جعل كافة شؤون حياتنا تعتمد على التقريب، ويتعذر على أي مسؤول إعطاء إجابة دقيقة لأي سؤال مطروح، رغم أن هنالك اجتهادات من أجل توفير بيانات إحصائية صحيحة ودقيقة يمكن الاعتماد عليها.

 مازلت أستحضر التوصيات التي خرج بها ملتقى "علاقة البحث الاجتماعي بصنع القرار"، الداعية إلى ضرورة الاهتمام بالبحث العلمي، لنقف على كتف واحدة مع دول كسنغافورا وكوريا الجنوبية والبرازيل، التي ترصد 2% من الناتج الوطني للبحث العلمي، ومعلوم أن الإحصاء يعد ركيزة للدراسات والأبحاث العلمية.

لقد تابعت باهتمام الجهود التي تمخضت عن صدور "استراتيجية مركز دبي للإحصاء"، والتي تم إطلاقها مؤخرا لتتماشى مع خطة دبي الاستراتيجية 2015، وقد سنحت لي الفرصة لأقرأ بتركيز هذه الاستراتيجية، التي نهضت على المحاور الآتية: حكومة دبي، مجتمع الأعمال، المجتمع.

وفي ذلك تتطلع الاستراتيجية إلى الإيفاء بالمتطلبات الإحصائية الأساسية، سواء العارضة أو المخطط لها، فضلاً عن توفير بيئة إحصائية شفافة محيطة بواقع التحولات الديمغرافية الحادثة في المجتمع، وحتى تكون حكومة دبي نموذجاً وإطاراً مرجعياً ذا مصداقية في النشر والدعم الإحصائي لقطاع الأعمال.

نظراً لأهمية دور هذا القطاع كشريك استراتيجي للحكومة واستقطابه مستثمرين متميزين من الخارج، كما يهتم المركز بتطوير علاقته بالمجتمع بكافة شرائحه، مع التركيز على فئة الأكاديميين ومراكز البحوث والإعلاميين وطلاب الدراسات العليا، وكل المهتمين بعلم وثقافة وفن الإحصاء.

ومما ميز هذه الاستراتيجية أنها لم تكن بناء فوقياً، إذ بنيت في إطار تعاون وثيق مع الكوادر المؤهلة في المجلس التنفيذي، وبمشاركة فعلية مع خمس وعشرين دائرة ومؤسسة وهيئة حكومية تابعة لحكومة دبي. وتكتسب الاستراتيجية حضورا إقليميا ودوليا، لارتباطها العضوي مع استراتيجية حكومة دبي بمختلف قطاعاتها.

وهكذا سيكون بوسع مركز دبي للإحصاء تحديد المتطلبات الإحصائية لكل دوائر وهيئات ومؤسسات حكومة دبي، مما يسهل عليها رسم سياساتها وخططها التشغيلية اعتمادا على قياس مؤشرات الأداء، مما يعني اتخاذ القرار لتنفيذ تلك الخطط اعتماداً على إحصاءات موثوقة وشفافة.

أطلق المركز منظومة استراتيجية (ip) بتدرجاتها الثلاثة، التي تتقاطع فيها المحاور مع كافة الموضوعات والمبادرات الاستراتيجية التي تصب في خانة الشركاء، بما يفيد آلية تحقيق كل هدف استراتيجي، سواء أفقياً أو رأسياً، وبشكل يساعد في التعرف على الجهة التي يخدمها الهدف، في سياق الموجهات الثلاثة للخطة الاستراتيجية، ممثلة في صناعة القرار والشفافية ثم المعيارية، على نحو يساعد على تلبية الاحتياجات الإحصائية لمختلف الجهات في دوائر ومؤسسات وهيئات حكومة دبي وشركائها، باختلاف منطلقاتهم ومجالات عملهم.

إن القارئ لاستراتيجية مركز إحصاء دبي، لا يفوته إدراك الجهد الذي بذله فريق العمل الفني الذي كلف بإعدادها بهذه الاحترافية، مما جعل خطة المركز تقف نداً لاستراتيجية حكومة دبي.

ويبقى التحدي ليس في إعداد استراتيجية المركز، ولكن في كيفية إنزال هذه الاستراتيجية إلى أرض الواقع. وأرى أن على قيادة مركز الإحصاء، الإسراع للتعريف بالاستراتيجية، عبر زيارات ميدانية تشمل كل الجهات المعنية.