لم يكن قد مر أسبوع على احتفال المصريين العرب بذكرى انتصار العاشر من رمضان المجيد الذي مكنهم من تحرير سيناء من الاحتلال الصهيوني، ولم يكن قد فرغ المصريون المسلمون من صلاة المغرب في السابع عشر من رمضان الخالد استعدادا للاحتفال بذكرى انتصار بدر الكبرى، حتى صدمتهم أنباء الجريمة الإرهابية الكبرى في "رفح" ضد خير أجناد الأرض بأياد شريرة معادية، ليس للمصريين والفلسطينيين فقط وإنما لكل العرب والمسلمين.

وبينما ظل الإرهابيون المجرمون مجهولين حتى ساعة كتابة هذه السطور، فلقد انطلقت التساؤلات واندفعت الاتهامات وتناقضت الاستدلالات وتوزعت الاتهامات الطائشة في كل الاتجاهات، وربما غاب عنها أنه لا جريمة كاملة مهما بلغت شيطانية مدبريها، ولا جريمة بلا عقاب مهما طال أمد اختفاء مرتكبيها خصوصا، وأن هذه الجريمة البشعة قد دلت على بشاعة مجرميها ومن هم وراء منفذيها، بما اتسمت به من صفات الغدر والعدوان والإرهاب والخسة والنذالة، وكلها ضد كل معنى ديني إسلامي أو قومي عربي أو وطني مصري!

لقد توزعت الاتهامات الأولية في الأوساط الإعلامية والرأي العام الشعبي المصري في اتجاه ثلاثة أطراف، إسرائيلية بعملية استخباراتية، أو بحركات مذهبية متطرفة مقاتلة سواء مصرية أو فلسطينية، وربما تمتد لما هو أبعد ارتباطا بما شهدناه في الاقتتال الأهلي العراقي والليبي والسوري من إرهاب وسفك دماء باسم الدين أو باسم الثورة، بينما الثورة ليست إرهابا والأديان من الإرهاب براء!

واستنادا على استنتاجات لشواهد ومشاهدات، وفي محاولتها للإجابة عن بعض التساؤلات أبرزها ما طرحته سيدة عربية على الفيس بوك بالقول: "هل لعبتها إسرائيل وبلعتها مصر وأكلتها غزة ؟" وهو ما يكاد يلخص الفرضية الأولى الأكثر انتشارا بين الرأي العام المصري والعربي، والأكثر ترجيحا بين السيناريوهات المطروحة والتي رسمها أصحابها إجابة لسؤالها الرئيسي وهو "من المستفيد من هذه الجريمة ؟"

وهذا السيناريو الأول يتصور أن المخابرات الإسرائيلية "الموساد" قد اخترقت هذه الجماعات التكفيرية وتلك المجموعات الإرهابية بزرع أو بتجنيد أعضاء من بينها، ودفعها بشكل مباشر أو غير مباشر لارتكاب جريمتها الشنعاء في ذات التاريخ وفي ذاك الموقع وضد الجيش المصري الذي لقنها درسا قاسيا في حرب رمضان، لإحداث الوقيعة بين المصريين والفلسطينيين بما يحقق عدة أهداف بعملية واحدة.

1ـ وقف العلاقات الجديدة المتنامية بين قيادة الإخوان في مصر وقيادة حماس في غزة بما يقطع الطريق على خطوات مصر لفتح معبر رفح، وإجهاض خطوات رفع الحصار عن قطاع غزة.

2ـ إظهار مصر إقليمياً ودولياً في صورة العاجز عن فرض سيطرتها الأمنية على سيناء بما يشكل ذريعة لتل أبيب بادعاء أن سيناء باتت ساحة للإرهاب وتهديدا أمنيا بما يبرر لإسرائيل بدعم أميركي إمكانية محاولة التدخل العسكري أو إعادة احتلالها في الوقت المناسب لها.

3ـ توجيه رسالة تحذير للرئاسة المصرية الجديدة بأن "إسرائيل هنا" وبأن سيناء مازالت رهينة وبإمكانها خلق الاضطرابات الأمنية فيها، وبإمكانها أيضا المساهمة في حل تلك المشكلات في عملية ابتزاز لها للدخول في ترتيبات أمنية جديدة بدور إسرائيلي في سيناء.

واستند أصحاب هذه الفرضية على تساؤلات ومشاهدات مثل ان العملية إسرائيلية من البداية بالتحذير المسبق وبسحب رعاياها من سيناء قبل العملية وحتى النهاية على أرضها بهروب المجرمين بالمدرعة إلى داخل معبر كرم أبو سالم مما رجح لديهم أنهم ربما لم يجيئوا عبر الأنفاق وإنما عبر هذا المعبر الإسرائيلي، ثم عادوا من حيث ما جاءوا بعد الاعتداء الغادر.

أما السيناريو الثاني الذي يردده البعض فيقوم على فرضية أن الجناة المعتدين تابعون لجماعة إسلامية فلسطينية متطرفة تسعى لإقامة (إمارة إسلامية) في غزة أو سيناء أو فيهما معا، وأنها جاءت عبر الأنفاق إلى سيناء، وبمفردها أو بمساعدة عناصر جماعة مصرية من ذات التوجه المذهبي والساعية لنفس الهدف نفذت جريمتها الشنعاء لحظة انطلاق أذان المغرب ضد جنود مسلمين صائمين وضعوا سلاحهم جانبا وبدأوا باسم الله آمنين يتناولون إفطارهم!

ويحمل بعض أصحاب هذه الفرضية مسؤولية الجريمة على الفلسطينيين عموما، بينما يحمل البعض الآخر حركة حماس باعتبارها المسؤولة عن إدارة القطاع. لكن الفلسطينيين في الضفة وفي غزة نفوا ذلك الاتهام بشدة بل وأقاموا العزاء للشهداء المصريين وأقاموا صلاة الغائب عليهم واستندوا في نفيهم القاطع على عدة نقاط تبدو منطقية، فيما قالت وجهة نظر "حماس" والمؤيدين لرأيها:

1ـ إذا كانت لم تحدث مثل هذه الجريمة في ظل الحصار المصري على غزة في العهد السابق المعادي لحماس فهل يعقل أن تحدث هذه الجريمة بعد فتح معبر رفح لكسر الحصار على غزة في عهد الرئاسة الحالية الداعمة لفلسطين والتي استقبلت قيادات حماس بحفاوة في القاهرة؟!

2ـ إن الانفجارات السابقة في سيناء في طابا وشرم الشيخ ودهب عام 2004، حدثت قبل حكم حماس في غزة، وفي ظل حكم السلطة الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات الذي كان صديقا للرئيس المصري السابق حسني مبارك، وألقي القبض فيها على مصريين وليس فلسطينيين.

3ـ وبالتالي هل يعقل أن نفعل أو نسمح بفعل عدائي ضد مصر بما يؤدي إلى إغلاق المعبر وتوقف نقل الوقود وخنق الفلسطينيين وإغلاق المعابر وتشديد الحصار على أنفسنا بغير سبب، خصوصا مع الرئاسة المصرية الجديدة النابعة من حركة الإخوان التي هي شقيقة لحركة حماس، والتي بدأت في فتح المعابر؟!

شخصيا، لا أظن، فمن يكون الخاسر، ومن هو المستفيد؟!