ربما يحمل توصيف الانحراف الفكري الكثير من المجازفة والمصادرة للمطلوب، حين نسارع إلى الدمغ به لكل ما يخرج عن منظومة المتعارف عليه اجتماعياً أو أخلاقياً أو حتى سياسياً، لأنه سيضعنا في دائرة التوصيف ذاتها من الطرف الآخر، حين ينظر إلى تقوقعنا الاجتماعي أو الأخلاقي أو السياسي، وتضيع البوصلة في معترك التوصيفات، وتضيع معها الحقائق التي ينشدها المجتمع، لا سيما في أزمنة الأزمات، لتقف المجتمعات عند حدود الوقائع ولا تتيه في متاهة المصطلحات.

والشيء الثابت الذي يضمن اهتداء بوصلة المجتمع إلى عين الصواب، في كل ما يعرض له من أزمات "فكرية"، هو سعة الصدر الاجتماعي الذي يحتضن الجميع أولاً، ثم المبادرة إلى التفكير بصوت عالٍ ضمن بيئة تحتضن الجميع ولا تضع خطوطاً حمراء على كل ما يقال أو يتداول، ومن جهة أخرى وعلى الطرف المقابل، أن يلتزم بألا يضخم أمام الناس كل ما يسمع أو يعتري المجتمع، حتى لا تصبح الأزمة الفكرية شذوذاً فكرياً يترصد الأخطاء المجتمعية فيضخمها، ويتغافل عن الحسنات مهما كثرت فيبخسها ويحقرها.

وحين تدخل أزمة الفكر وما يحيط بها حيز الشذوذ الفكري، تصبح عندها جريمة قانونية ـ كما ألمح إلى ذلك الفريق ضاحي خلفان القائد العام لشرطة دبي - لأنها تسوغ لصاحبها القفز فوق إصلاح المجتمع والنهوض بالدولة، إلى القبول بالتآمر عليها حتى لو نجم عن ذلك تفكيك المجتمع.

ومناسبة هذه المقدمة، هي الندوة الرمضانية التي احتضنها ونظمها قبل أيام في دبي مكتب ثقافة احترام القانون، في الأمانة العامة لمكتب سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، وناقشت الإطار القانوني للجرائم الناجمة عن الانحراف الفكري، والتي أكدت عبر الرموز المشاركة فيها ما يعرفه جميع أبناء الوطن، من أن أبواب التصالح الاجتماعي والتعاضد والنقاش الهادف مفتوحة على كل المستويات، ولا توصد في وجه أحد ما دامت تسعى إلى البناء في جو حضاري يبحث عن الخير للمجتمع، ويقدمه على جميع المآرب والأهواء الشخصية.

والحقيقة أن أمثال هذه الندوات التوعوية، إذا تم إحكام أهدافها وتوصياتها، تستطيع رأب الصدوع الاجتماعية بين جميع أرباب الفكر. ونحن على يقين من أن المجتمع المتماسك المبني على أسس ثابتة صلبة، لا يخشى الأفكار الجديدة ما دام ينظر إليها على أنها روافع للحركة النهضوية، لكن بشرط لا بد منه، وهو أن تصلح النوايا التي تصدر عنها هذه الأفكار، لا أن تأتي بسياقات مشبوهة تكيل الاتهامات جزافاً ولا تنظر إلى موطئ قدمها لتعرف إلى أين تسير وعلى أي الجبهات تقف، لتجد نفسها أحياناً ألعوبة في يد من يحاول المساس بأمن الوطن واستقراره، لا سيما، كما أثير في الندوة، أن هناك منظمات خارجية تعمل تحت ستار أو إطار حقوق الإنسان، ولكنها تنشر أفكاراً تناهض قيم وعادات وتقاليد المجتمع الراسخة.

ونعود لتأكيد الحقيقة التي انطلقنا منها في أن سعة الصدر الاجتماعي، هي الكفيلة بتذويب التصادمات الفكرية بين جميع الفرقاء، مهما كانت بعيدة عن المتعارف عليه، والكلمة لا بد لها من كلمة تواجهها، والحجة لا بد لها من حجة، مع التحذير كل التحذير من سياسة الإقصاء الفكري، أو الإعلامي، أو المحاربة المجتمعية، لأن هذا السلوك سيعطي بشكل غير مباشر، زخماً أكبر للأفكار الهدامة لتنمو في الظلام، وتتسرب في السر بين الناس، لا سيما الشباب، وعندها نصنع من الضعفاء فكرياً أبطالاً ورموزاً ينجذب إليهم بعض المتهافتين أو المتآمرين، ليكونوا معاول تخريب بدلاً من أن يكونوا رواد بناء.

ولذلك كان من أبرز ما خرجت به هذه الندوة الرمضانية القانونية الأمنية، أن التعامل مع هؤلاء "المنحرفين فكرياً" عن جادة المجتمع وأفكاره ومبادئه، لا يكفيه القانون فقط، بل لا بد من وسائل أخرى كمجابهة الفكر بالفكر، والحوار بالحوار، مع المطالبة الحثيثة العاجلة بوجود جهاز يتصدى للأفكار الهدامة بأخرى إيجابية، وغرس الفكر الإيجابي لدى النشء، مع إعطاء هامش من الحرية الفكرية عبر الإعلام، خاصة بالنسبة إلى المفكرين وذوي العقول المتزنة.. وعند هذه النقطة تكون الأفكار الجديدة رافداً اجتماعياً قوياً، لا جريمة يعاقب عليها القانون، ولا انحرافاً ينبذه المجتمع.