استطراداً لما سيقت الإشارة إليه، فإن تاريخ التفكير الاجتماعي ما هو إلا حصيلة تراكمية للمواقف والتجارب والخبرات، بل والمشكلات والنجاحات التي اكتسبها مجتمع ما في إطار زمني معين وواقع جغرافي محدد، وأن العقل الجمعي حتى في المجتمعات التقليدية، لم يكن عقلاً غوغائياً وهداماً كما نراه في مظاهر التخريب والاعتداء على ممتلكات الدولة وحاجيات ومصالح الناس..

فالعقل الجمعي الرشيد هو الذي شيد الحضارات وبنى السدود ومصدات الرياح، وقاد الجيوش وألحق الهزائم بالأعداء ليرفع رايات النصر..

والعقل الجمعي المستنير قوامه قيادة رشيدة، لها الرؤية الاستبصارية لإحداث تحولات هيكلية في البناء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، بشكل يلبي توقعات كل أفراد المجتمع، والعقل الجمعي نقل مجتمعات بأسرها من وهاد البداوة والتخلف والفقر المدقع، إلى رحاب عصر الألفية الثالثة وهو يصطحب فكر الجماعة ومخزونها الحضاري والتاريخي وثقافتها الجمعية.

أسوق هذا الحديث ونحن نتابع عن كثب مجريات أحداث ما قبل وما بعد ما سمي بـ"الربيع العربي"، في محاولة لرصد تأثيرها على أرض الواقع، وكنت قد أشرت إلى ذلك في المقالة السابقة.. في وقت سيطرت فيه "ثقافة الحشد" وغطت الأفق بسحابة سوداء من دخان الحرائق، وهو مشهد كانت وما زالت تروج له أجندة خفية لزرع الفتن وترويج الأراجيف ضد الدولة والسلطة الحاكمة (حالة البحرين).

عندئذ ذكرت بالحرف الواحد "لقد أيد الناس كل الناس المطالب العادلة (المشروعة) الداعية للإصلاح، والتي وجدت استجابة سريعة من كل قيادات الدول الخليجية، وكنا وما زلنا مع الرأي الداعي إلى ضرورة التدرج لإحداث هذا الإصلاح، وذكرنا أن الديمقراطية التي تولد في الشوارع تموت في أول منعطف.. وأن على المطالبين بها أن يقرأوا التاريخ، ذلك أن من يحاول إشعال الفتن سيكون أول من يحترق بنيرانها".

وها نحن نقول مجدداً إن عواقب التغيير المتسارع غالباً ما تكون فادحة، وقد أشار إلى ذلك لفيف من علماء الاجتماع أمثال "سوركن" و"إلفن توفلر"، مشيرين إلى ضرورة التفرقة بين "التغير" و"التغيير".. فالأول يحدث نتيجة الحركة الطبيعية الاعتيادية للمجتمع، أي مجتمع.. وهو ينتقل من مرحلة حضارية إلى مرحلة أكثر تقدماً..

أما التغيير فهو محاولة الانتقال السريع بالمجتمع عبر ميكانيزمات ومؤثرات خارجية، إلى مراحل جديدة.. وهو اتجاه يدعو للمعارضة من أجل المعارضة، ولم يجد سوى الرفض لأنه يتقارب مع نظرية المؤامرة التي تدعو إلى الفوضى الخلاقة كآلية للتغيير.

ومن هذا المنطلق نحن ضد محاولة "تزييف العقل"، من قبل حفنة من مروجي الإشاعات والخارجين عن قواعد الضبط الاجتماعي والقانوني بالخروج عن الإجماع الوطني، الذي يحتكم للقواعد المجتمعية التقليدية ذات الأصول القبلية والعشائرية..

وهي قواعد مستندة على العرف لضبط سلوك الفرد والجماعة، بل والمجتمع بأسره، ومن ثم فإن أي محاولة للخروج على هذه القواعد الجمعية، ينبغي أن تجابه بالرفض والاستهجان.. لأنها تهدد الأمن والاستقرار الاجتماعي.

والدولة اعتماداً على القانون، قادرة على حماية المكتسبات والمنجزات التي تحققت عبر مسيرة امتدت لأكثر من أربعة عقود، حتى لا تطالها أيادي حفنة من "النشطاء"! وما أدراك ما النشطاء الذين أرادوا في غفلة من الزمن ركوب موجة "الربيع العربي"، في محاولة للإبحار بقارب مثقوب في اتجاه بلدان الخليج العربي، ويبقى السؤال المطروح؛ ماذا يريد هؤلاء الغوغائيون الذين وفرت لهم الدولة كل شيء؟..

وعندما نقول كل شيء فنحن نعلم ماذا نقول، وأعني بها دولة الإمارات العربية المتحدة، دولة بدأت من المربع الأول وخلال أربعة عقود استطاعت ليس مجرد اللحاق بركب دول سبقتها بقرون في مسيرة التطور، بل تجاوزتها وتشهد على ذلك تقارير المنظمات الدولية ووكالاتها المتخصصة.

دولة تحولت إلى دولة الرفاه.. خالية من الضرائب.. وفرت لمواطنيها تعليماً مجانياً وخدمات صحية مميزة وإسكاناً بلا أجر.. فضلاً عن مساعدات اجتماعية طالت كافة الشرائح والفئات الأكثر استحقاقاً، ليتمكنوا من العيش في بيئة توفرت فيها أقصى درجات الكرامة الإنسانية.

إن ديمقراطية العقل الجمعي التي ننحاز لها، هي ديمقراطية العقل الرشيد التي تحترم ثقافة المجتمع وفكر الأغلبية.. ديمقراطية تسير في اتجاه الإصلاح، ولكن دون أي إملاءات أو وصاية من أحد.. ديمقراطية تزاوج بين الأصالة والمعاصرة، وتسير في اتجاه الوسطية وبعيداً عن الحزبية والمذهبية والطائفية والتطرف العقائدي.