يبدو أن العلاقة بين النظام الجديد في مصر وبين الصحافة والإعلام، سوف تشهد عواصف عاتية في القترة القادمة.. فبعد أيام قليلة من تحذير رئيس الجمهورية الدكتور مرسي من استمرار "التجاوزات" في الإعلام ونصيحته لمعارضيه بأن يتقوا "حلم الحليم"..
كان أمام النيابة العامة بلاغان يطالبان باتخاذ الإجراءات القانونية لمحاكمة صحفيين وإعلاميين، بتهم تتراوح بين السب والقذف وبين نشر أخبار غير صحيحة والإساءة المتعمدة. واحد من البلاغين كان من مرشد جماعة الإخوان المسلمين الدكتور بديع، والآخر كان يتعلق بالرئيس مرسي، مع إعلان من المتحدث الصحفي الرئاسي بأن بلاغات أخرى في الطريق.
بالطبع.. فإن اللجوء للقضاء هو حق طبيعي لكل المواطنين، بمن فيهم رئيس الجمهورية، كما أن احترام مقام الرئاسة هو أمر مطلوب في كل الأحوال. ولكن الكثيرين كانوا يفضلون أن يتم التعامل مع الأخبار غير الصحيحة التي نشرت عن الرئيس وعائلته، فور نشرها بالتكذيب السريع الذي يوضح الأمر أمام الرأي العام.
كما أن البعض كان يتوقع مساحة أكبر من سعة الصدر في مناخ محتدم بالصراعات ويشهد الكثير من الانفلات في كل الميادين، وتتجاوز فيه لغة الحوار حدود المسموح.. ليس بين السياسيين والناشطين فقط، بل حتى بين رجال القضاء أنفسهم!
ومع ذلك، فاللجوء للقضاء ليس هو المشكلة، وإنما هو فقط الكاشف لعلاقة متوترة بين رئيس الجمهورية وجماعة الإخوان من ناحية، وبين الصحافة والإعلام من ناحية أخرى. في خلفية هذه العلاقة التي تزداد توترا يوماً بعد يوم، إحساس لدى "الإخوان المسلمين" بأن سنوات الحصار الإعلامي لهم قد انتهت.
وأن أغلبيتهم التي حصلوا عليها في الانتخابات ينبغي ان تترجم بما يمكن أن يكون "أغلبية إعلامية" في الصحف والتلفزيون! وفي خلفية هذه العلاقة المتوترة، إحساس بالخطر لدى الصحفيين (ولدى كل الكتاب والمفكرين والمبدعين) من هجمة على الحريات من جانب التيارات السلفية، قد لا يكون "الإخوان" هم من يقودها، ولكن حرصهم على تحالفهم مع باقي أجنحة التيار السلفي يضعهم في نفس الموقف من قضية الحريات.
وعندما دشن مرشد الإخوان الحملة على الصحفيين والإعلاميين قبل شهور بوصفهم بأنهم "سحرة فرعون"، كان هذا إعلاناً بأن الجماعة قد وضعت السيطرة على الإعلام في صدر أولوياتها. وها نحن بعد هذه الشهور، وقد حققت الجماعة خطوة هامة على هذا الطريق بتعيين الزميل الصحفي صلاح عبد المقصود وزيراً للإعلام، أي مسؤولاً عن الإذاعة المصرية والتلفزيون الرسمي، بينما تخوض "الجماعة" معركة للهيمنة على الصحافة القومية وتعيين رؤساء تحرير موالين لها، وخاصة لـ"الأهرام" و"الأخبار".
بالنسبة لوزارة الإعلام، فإن هذه الخطوة الهامة ما كان لها أن تتم إلا بتوافق مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، باعتبار أنها من وزارات السيادة التي كانت محوراً لخلافات شديدة، انتهت في ما يبدو بحل وسط أعطى للإخوان وزارتي العدل والإعلام، وأبقى على وزير الدفاع المشير طنطاوي (بحكم الإعلان الدستوري) ووزيري الخارجية والمالية، مع تعيين وزير جديد للداخلية كان المساعد الأول للوزير السابق.
والملاحظ هنا أن ذلك تزامن مع زيارة وزير الدفاع الأميركي واجتماعه بالرجلين، وتصريحاته بعد ذلك بأن العلاقات بينهما طيبة وأن تسليم السلطة يسير بشكل طبيعي!
وبصرف النظر عن أن وزيري العدل والإعلام سيواجهان معارضة قوية داخل جهازي العدالة والإعلام، فإن ميدان المعركة سيتركز الآن على الصحف القومية التي تسابق جماعة الإخوان الزمن لحسمها، قبل أن يصدر حكم متوقع ومؤكد ببطلان مجلس الشورى أسوة بالحكم الذي صدر ببطلان مجلس الشعب، حيث إن مجلس الشورى (حتى الآن) هو الذي يصدر قرارات تعيين رؤساء مجالس الإدارة ورؤساء تحرير الصحف القومية.
والمفارقة هنا أن الصحفيين توقعوا أن يتغير الأمر بعد الثورة، وطالبوا بإبعاد مجلس الشورى، وكل المؤسسات الأخرى عن إدارة الاعلام القومي، وأن توكل هذه المهمة لجهاز مستقل يضمن أداء هذه المؤسسات لدورها، بعيداً عن سيطرة أي حزب حاكم أو مؤسسة من مؤسسات الدولة الأخرى.
على الجانب الآخر تدير جماعة "الإخوان المسلمين" معركتها تحت غطاء أنها تطبق القانون، وأن مجلس الشورى الذي تسيطر عليه والذي تم انتخابه بمشاركة 7% فقط من الناخبين، هو صاحب الحق في تعيين قيادات هذه المؤسسات الصحفية، دون أي التفات إلى أن هناك ثورة، وهناك أوضاعا يعاد ترتيبها، وأن معظم رؤساء تحرير هذه الصحف قد تم تعيينهم بعد الثورة.
وآخرهم رئيس تحرير الأهرام الذي تم تعيينه في فبراير هذا العام، ويراد الإطاحة به رغم ما أحرزه من نجاح في هذه الفترة القصيرة، وكذا الإطاحة برئيس تحرير "الأخبار" الذي حقق إنجازاً غير مسبوق، واستطاع خلال عام واحد أن يضاعف توزيع الصحيفة لأربعة أمثال ما كانت عليه!
تفاصيل عملية الاستيلاء على الصحافة القومية محزنة، وهناك تصميم من الجماعة على أن تكون "الوريث" للحزب الوطني المنحل، بكل سلطاته وبكل أخطائه.. والصحفيون المصريون يخوضون معركة ضد هذه الإهانة لصحافة لها تاريخ ولها مكانة.
بالطبع تستطيع "الجماعة" أن تجعل مجلس الشورى (الباطل انتخابه) يصدر قرارات تعيين رؤساء التحرير الذين تختارهم، فهي تسيطر عليه، كما تستطيع أن تتجاهل الرفض الذي أبدته الجماعة الصحفية لهذا المخطط..
تستطيع الجماعة أن تمضي في مشروعها لوراثة الحزب الوطني في "الاستحواذ" على الإعلام، ولكنها ستدفع الثمن الذي دفعه "الآخرون"! التاريخ يقول إن الجماعة الصحفية في مصر لم تخسر معركة من أجل الحرية. مبارك أصدر يوماً قانوناً لتبديد الحريات، وقال عبارته الشهيرة عن "أنه لا يبيع ترمس" في وجه الاحتجاجات، وبعد شهور كان "يبيع الترمس" ويلغي القانون.
والسادات قبله اصطدم بالصحفيين وحاول إغلاق نقابتهم أو تحويلها إلى نادٍ، وفي كل مرة كان الصحفيون يواجهون وينتصرون. حتى الرئيس عبد الناصر عندما نقل بعض الصحفيين من مؤسساتهم، دخل في مواجهة انتهت بإلغاء القرار. وقبل ثورة يوليو تحالف حزب الوفد مع الملك فاروق في محاولة تمرير قانون مشبوه لمنع نشر فضائح العائلة المالكة، وانهزم المشروع وخسر الوفد والملك معاً.
هل يراجع "الإخوان المسلمون" موقفهم قبل فوات الأوان؟ أرجو ذلك، وإن كانت الشواهد تقول بغير ذلك.. والنهاية معروفة، وإن كان الثمن مزيداً من استنزاف قدرات الوطن!