ليس هناك أمر يبعث على الشعور بالضجر، أكثر من الاضطرار للانتظار في المطار. بعد تمضية ربع ساعة وأنت ترتشف فنجان قهوة، تنظر حولك بأمل رؤية بعض الوجوه المألوفة لديك، وطالما أنه لا أحد ضمن هذه الوجوه سبق أن رأيته من قبل.
فإنك تجد صحيفة قديمة ملقاة على كرسي مجاور، فتلتقطها من مكانها، وتقرأ أن بضع مئات من الأشخاص قتلوا في انفجارات في سوريا، وأن الناس في لبنان أيضا يستعدون لقتل بعضهم. وتقرأ أيضا أن شابا، من دون إعطاء السبب، قرر فجأة أن ينتحر، فتسلق إلى قمة إحدى البنايات ورمى بنفسه ونجح في محاولة الانتحار.. وعنوان آخر في الجريدة يتحدث عن كيفية تسميم امرأة لنفسها ولأولادها الثلاثة.
تنظر حولك، وترى جماعات من الناس يجلسون صامتين، كل يحدق في وجه الآخر. وهناك شخص أو اثنان يحاولان أخذ إغفاءة، فاغرين فميهما قليلا. وفجأة يهرول رجل إلى الداخل ويشق طريقه إلى إحدى مجموعات الرجال المحتشدين والجالسين في مقاعدهم صامتين، يقول شيئا ما، وفجأة تستعيد المجموعة نشاطها، ويبدأ الرجال في التحدث بصوت عال، فأحاول الإنصات إلى ما يقولونه.
يتعجب أحدهم قائلا: "لا يمكن أن يكون ما تقوله صحيحا!". يقول الرجل: "لكنه موجود في جميع الصحف، كان ذلك في سيارتهما المركونة خارج المنزل، ولقد قتل الاثنان على الفور".
بدأ الفضول يشدني لهذه المقتطفات الإخبارية، فقمت من مقعدي، ومشيت متجها إلى حيث تجلس جماعة الرجال، واستفسرت عن تلك الأخبار.
أجابوني: "يبدو أن غسان قد قتل". وفيما أنا أسير في اتجاههم، سألتهم بما يشير إلى عدم تصديقي الخبر: "غسان كنفاني؟".
وبدا من الجلي أنهم مندهشون لرؤية شخص تبدو ملامحه بلا شك غير عربية، ويتحدث اللغة العربية بطلاقة، ويسألهم عن واحد من كبار الكتاب في العالم العربي.
قال أحد الرجال: "تم تفجيره في سيارته التي كانت مركونة خارج منزله". ومن ثم سألني من أكون ولماذا كنت أسأل عن غسان كنفاني؟ فأجبته: "إنه صديقي".
وذكر أحد الرجال بعد ذلك اسمي، وأوضح لهم أنني ترجمت بعضاً من قصصه إلى اللغة الإنجليزية. فقال أحد الرجال: "أنت السيد دنيس إذن؟".
أومأت برأسي، وطلبت معرفة ما الذي جرى. قيل لي إن غسان كنفاني وابنة أخته الشابة لمياء، تعرضا لتفخيخ قنبلة دسها الإسرائيليون في سيارتهما.
صداقتي مع غسان كانت غير عادية.. منذ بضع سنوات كتب لي وسألني عما إذا كان بالإمكان أن نصبح أصدقاء بالمراسلة. وكان يكتب لي باللغة العربية، مؤكدا لي أن خطه مقروء بشكل جيد، في حين كنت أرد عليه باللغة الإنجليزية برسائل مطبوعة على الآلة الكاتبة. ولقد استمر هذا الأمر لبعض الوقت.
ومن ثم بدأت بإصدار مجلتي الأدبية الفصلية التي تحمل عنوان "أصوات"، وضمنتها إحدى قصصه بعنوان "موت السرير رقم 12"، والتي صدرت ترجمتي لها في مجموعة مختارات أدبية تحت عنوان "كتابات جديدة من الشرق الأوسط"، فيما قمت أيضا بترجمة قصة بعنوان "دم الضحية"، والتي كانت قد نشرت باللغة العربية أساسا في مجلتي "أصوات" الفصلية، التي بدأت في إصدارها خلال أوائل الستينات في لندن.
ثم جاء ذلك اليوم الذي كنت خلاله برفقة صديقي إبراهيم شكر الله، وكنا قد دخلنا عبر الباب الرئيسي لأحد الفنادق الصغرى في القاهرة، وكنا نتحدث سويا باللغة العربية، هذا على الرغم من أن إبراهيم يتحدث الإنجليزية بطلاقة. وفي القاعة الكبرى كانت هناك جماعة من الرجال تنتظر وصول أصدقاء.
وفيما كنت أنا وإبراهيم ندخل الفندق، قام شاب من مقعده، وتوجه إلينا وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة، وقال لي: "لا بد من أنك دنيس". فأجبته بنغمة الصوت نفسها: "وأنت لا بد أنك غسان إن لم أكن مخطئا".. وتعانقنا بقوة.
قلت له: لم أعتقد يوما أنني سوف ألقاك في القاهرة. ومن ثم بدأنا حديثا باللغة العربية، فسألته عما إذا كانت لديه قصص قصيرة أخرى لمجلة "أصوات". قال لي إن لديه قصة، لكنها طويلة بعض الشيء. فقلت له: هذا أفضل، وأضفت: لماذا لا أعد كتابا من قصصك القصيرة؟
قال: سأحاول أن أكتب المزيد منها، على الرغم من أني أعمل على كتابة رواية في هذه اللحظة. قلت له: اعطني القصة القصيرة التي لديك لمجلة "أصوات"، ومن ثم اكتب المزيد ونقوم بعد ذلك بإصدار مجلد كامل منها.
قال: "سوف أبذل قصارى جهدي"، وكانت هذه آخر الكلمات التي سمعته يتفوه بها.