في كل عام وفي موسم الخير الرمضاني، تفتح الإمارات أبوابها الخيرة لتكثيف العطاء المعنوي ليتصل بسلسلة عطائها المادي الممتد على مدى العام، وذلك بدعوة علماء الإسلام ليقدموا برعاية صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، جرعات مكثفة من المنح المشرقة في رسالة عالمية على تبني الإمارات لأرقى معايير التسامح الإنساني، والأبعاد الحضارية التي تؤسس على كرامة الإنسان والتعايش بين البشر واختزال المسافات بين المجتمعات.

رسالة واضحة تدل على شفافية التعاطي الإماراتي حكومة وشعباً مع جوهر العلاقات الإنسانية، ومحورها الأساسي القائم على التكافل والتكاتف وقبول الآخر وتبادل الأفكار لمنفعة الجميع، وعدم الادعاء باحتكار الحقيقة المطلقة والتفرد بها، والاعتقاد الجازم بأن ينابيع الخير الإنساني مبثوثة بين البشر، ولا بد من تعزيز مسالكها بين الأمم والشعوب لتنعم بها البشرية قاطبة.

هذا المعنى العميق من فلسفة التسامح كما يراها شعب الإمارات، وهو جزء لا يتجزأ من النسيج الإسلامي الممتد، تبرهن عن وجه عملي متعدد الأمثلة على جوهر الفهم للرسالة الإسلامية الإنسانية، مستندة على قاعدة عريضة، بسيطة عميقة، منتهى دلالتها أن أرقى الناس منزلة هم الأنفع للناس.

نشعر بالفخر الإنساني حين نقرأ كل يوم أيادي العطاء الإماراتية تصل كل بقعة من بقاع الأرض في شرقها وغربها، والرعاية الحانية تقترب من الأشقاء والأصدقاء بقدر الوسع، تترجم معاني التراحم بالأفعال لا بالأقوال، ليبقى خيط الوداد الإنساني موصولاً، لا سيما إذا علمنا حقيقة أن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها.

وفي الحقيقة تكفينا هذه الإشارات، وتكفي جميع من يرغب قراءة المشهد الإماراتي وعمق العدل والمساواة بين أركانه في دلالاته الرمزية البليغة، فإذا كان الخير الإماراتي يبحث بدأبٍ عن مظانه في شتى بقاع العالم وعلى مدار العام، ندرك حينها أن أهل الوطن لا شك يرفلون في الجزيل من هذا الخير، بل نفهم أكثر من ذلك أن المجتمع الإماراتي بجميع مكوناته ملتف حول قيادته في تعميم هذه الثقافة، حتى تصبح سمة يُعرف بها الشعب الإماراتي بين الشعوب وهو ما تحقق وتعرفه جميع الأمم.

وحين نتمعن في فلسفة الفهم المعتدل في الإمارات للقيم الإنسانية وحسبما تؤكد باستمرار قيادتنا، نراها ترتكز على مجموعة أركان كل ركنٍ منها يحشد حوله العديد من الأدلة والأمثلة والشواهد، ما يبرهن على عمق الثقافة الاجتماعية الحضارية التي يتبناها شعب الإمارات، وهو ما نتمنى أن يسود في فكر الجميع كمقومٍ للحضارة لا تستقيم إلا به.

وأبرز هذه الأركان تقديم نموذج عملي حياتي معيشي، يختزل الفروقات بين الناس التي تفرضها الاعتقادات والأفكار والإثنيات والتوجهات، لتصبح على أرض الإمارات نسيجاً متعايشاً في تجربة لا نزال نكرر على الدوام نجاحها كتجربة إنسانية يفلح فيها الجميع في ممارسة الحياة على أرقى المعايير الحضارية، لا تفاضل بينهم إلا بقدر العطاء، ولا يؤثر في الامتيازات اختلاف الآراء والاعتقادات.

ويدعم هذه الأرضية المشتركة التي يتنسم عبيرها الجميع، الحرص الدائم على نشر ثقافة التسامح والحكمة والوسطية والاعتدال بين الناس، والابتعاد عن الغلو والتعصب.

هذه القراءة الواقعية لما تقدمه وتحرص عليه الإمارات قيادة وشعبا، تتطلب تضافراً مستمراً من أبناء الوطن لترسيخ هذه الرسالة كسفراء إنسانيين حضاريين، فلا يسمحوا للأفكار الغريبة عن نسيجنا الاجتماعي أن تنال من هذه المقومات الحضارية، تحت دعاوى لا نعرفها ولا نعرف لها جذوراً بيننا، بل هي مقطوعة النسب بأخلاقنا وطريقة حياتنا، ومبتورة الصلة بما عهدناه من أهلنا وحكومتنا وشعبنا، وتعميم قيم المساواة والتكافل والعدالة الاجتماعية بين الناس، ليقوم جميع الناس بالقسط.

ولا نزال نؤكد على حقيقة لا ندعي احتكارها ويعرفها الجميع، وهي أن الأبواب في الإمارات وعلى منابر الآراء كافة، مفتوحة أمام الجميع للتفكير بصوت عالٍ بما فيه المصلحة العامة، ولا نشك لحظة في أن هذه الأرضية الحضارية من قبول الرأي والرأي الآخر، والفكرة والفكرة المضادة، من دون إقصاء أو تهميش أو سطو على عقول الآخرين، هي الكفيلة بالحفاظ على رصيدنا الحضاري الذي نفخر به، من التسامح والحكمة والتعايش الإنساني الراقي، وهو رأس المال الحقيقي الذي تنطلق منه كل أركان الحضارة.