تفيد تقارير في وسائل الإعلام العربية بأن بعض الخطباء، الذين نشطهم الظهور المفاجئ للرئيس المصري الجديد محمد مرسي من جماعة الإخوان المسلمين، يعملون الآن على إثارة الرأي العام لهدم بعض التماثيل الفرعونية. وهم يقولون إن تلك المعالم الفرعونية تمثل "رموزاً وثنية" من ماضي مصر السابق للإسلام، وبالتالي يجب أن تختفي.

لا تتجاهلوا هذا التوجه بسهولة، فالمتشددون في مالي يدمرون حالياً أضرحة عمرها قرون، لأولياء في مدينة تيمبكتو، التي تشكل موقعاً تاريخياً للعلم والفقه الإسلاميين. ولعل آخر هجمات المتشددين المؤسفة على الماضي، تمثلت في تفجير أعضاء حركة طالبان عام 2001 لتمثالي بوذا التوأم اللذين يعودان إلى القرن السادس، والمنحوتين في منحدر في مدينة باميان الأفغانية.

والعنف المدفوع أيديولوجياً والذي ينم عن جهل بالتاريخ، ليس حكراً على المتشددين، إذ يمكن لغربيي ما بعد الحداثة الصائبين سياسياً، أن يضاهوا في تعصبهم وتخريبهم للماضي، المتشددين ما قبل الحداثيين.

وتتمثل إحدى مباهج زيارة وادي "يوسمايت" في ولاية كاليفورنيا، في سلسلة من الجسور المقوسة التاريخية التي تمتد عبر نهر "ميرسيد" في قاع الوادي.

 ويعتبر أحد تلك الجسور، وهو جسر "ستونمان" ذي الثمانين عاماً، تحفة معمارية وإشادة بما تميز به عصر الكساد من براعة وتألق فنيين، فيما يعد جسراً "أهواهني" و"شوغر باين" تصميمين يجمعان بين الوظيفية والجمال.

وكل تلك الجسور تستخدم بصورة يومية، وتحظى بتقدير ألوف الزوار كل صيف، وقد تم تصنيفها أخيراً باعتبارها كنوزاً معرضة للخطر، وذلك من قبل الصندوق الوطني الأميركي للحفاظ على التراث التاريخي.

والآن، يقترح المتعصبون للبيئة في دائرة الحدائق الوطنية هدم الجسور الثلاثة جميعها، مدفوعين بحلمهم بالسماح لنهر "ميرسيد" المعرض للفيضانات، بالتحرر للعثور على مساره الأصلي بعيداً عن التلوث البشري. وإذا شئنا استعادة ما قالته حركة طالبان، فإن هؤلاء الأصوليين الخضر، يعتقدون على الأرجح أن هذه الجسور تشكل "رموزاً إنسانية"، وأن تدميرها يمثل "مسألة بيئية صرفة".

ومرة أخرى، لا تضحكوا.. إذ إن عريضة عممت من قبل إحدى الجماعات البيئية، أجبرت مدينة سان فرانسيسكو ـ التي تقع في ولاية تصارع حالياً عجزاً في الميزانية بقيمة 17 مليار دولار ـ على إجراء استفتاء في نوفمبر المقبل بشأن اقتراح بتفجير سد "أوشاوغنسي" التاريخي، الذي يحتجز مياه خزان "هتش هتشي".

ولا يزال مشروع المياه والطاقة ذلك، الذي يظهر براعة في الهندسة ويعود إلى مطلع القرن العشرين، يمد خليج سان فرانسيسكو بما يصل إلى 85% من مياهه، في الوقت الذي يزود المدينة بـ400 ميغاوات من الطاقة الكهربائية النظيفة، ويوفر لمزارع وبلدات "سنترال فالي" الري والقدرة على السيطرة على الفيضانات.

والتساؤلات حول مصدر مليارات الدولارات اللازمة لتفجير السد الضخم، بما يضمه من صمامات وأنابيب ومحطة لتوليد الكهرباء، وحول الكيفية التي ستستبدل بها الكهرباء الخضراء، والطريقة التي ستمكن ملايين المقيمين في منطقة خليج سان فرانسيسكو من تأمين حاجتهم اليومية من الماء..

كلها تحمل أهمية ضئيلة بالنسبة للمنظرين، الذين يعتقدون أن وادي "هتش هتشي" الأصلي يمكن أن يولد من جديد دون لمسات البشر المؤذية.

ما هي السمات المشتركة بين هذه الحروب المعاصرة ضد الماضي؟ إحدى السمات المشتركة هي قدرة التعصب الايديولوجي، سواء كان دينياً أو بيئياً، على التغلب على جميع المسائل المتعلقة بالطابع العملي، والمحافظة على التراث التاريخي، وتوقير الأجيال السابقة، إذ إن فكرة النقاء لدى المتعصب هي وحدها التي تهم.

وإضافة إلى ذلك، فإن ما يشهده العصر الحديث من ترف وراحة، يفسر الرغبة والقدرة على تدمير المعالم الأثرية. وتسمح تكنولوجيا القرن الحادي والعشرين للمتشددين ما قبل الحداثيين، بالحصول على ما يلزمهم من أسلحة ووقت فراغ، للقيام بهذا التدمير. وإذا كان التمثالان في باميان وثنيين، فالوصف ذاته ينطبق إذن على المتفجرات التي استخدمتها حركة طالبان لإزالتهما.

ولمجرد أن الماء يتدفق بسهولة من صنابير سان فرانسيسكو، وأن الطاقة الكهربائية أصبحت عبارة عن ضغطة زر ـ الأمران اللذان كانا مستحيلين في عام 1913 ـ فإن المتشددين الخضر الحاليين، يستطيعون الحلم بنسختهم الخاصة من الجنة النقية وغير الملوثة.

والجهل العام بالتاريخ بين عامة الناس، يلعب دوراً أيضاً. وتماماً كما تدخل المدارس المتشددة العقيدة إلى رؤوس طلابها، دون أي تقدير تاريخي لغنى أديان الشرق الأوسط القديم وتنوعها، فإن الدورات سياسية الدوافع في جامعاتنا تستبعد دروساً واسعة في التاريخ.

ويستطيع الطلاب في نسخنا الخاصة من المدارس المتشددة، تلاوة جميع وصايا كتبهم الخضراء المقدسة، غير أنهم لا يعرفون سوى القليل عن ماضي بلادهم، ولا يعرفون شيئاً تقريباً عما كافحه أجدادنا من فقر دائم، ومعاناة جسدية، وموت مبكر، في سبيل ضمان ألا نضطر نحن إلى مكافحته.