في معرض دراسة عالم الاجتماع "كولي" للسلوك الإنساني، قسم سلوك الأفراد والجماعات إلى عدة أنماط أو أشكال، مؤكداً أن الإنسان يختلف عن الحيوان بنعمة العقل الذي حباه به الله عز وجل، ولكنه توصل إلى نظرية مفادها أن الإنسان لا يستفيد من الطاقة العقلية التي يمتلكها، وأنه يوظف نحو ٪10 من مقدراته الفكرية لتسيير شؤون حياته اليومية، في الأكل والشرب والعمل وبعض الأنشطة الأخرى، ومن هنا لا يختلف سلوك الفرد بل يتقارب مع سلوك الحيوان.
لهذا عرف قدماء الفلاسفة الإنسان بأنه حيوان ناطق، ذلك أن سلوك الحيوانات محكوم بروح القطيع "crowd"، وقوة تأثيرمن يتولى القيادة أي الأكبر والأقوى، والتفكير الجمعي لدى البشر لا يختلف عن ذلك كثيراً متى ما صاروا حشداً.
يقودني هذا المدخل للتأكيد على تأثير العقل الجمعي على اتخاذ القرار المجتمعي. والعقل الجمعي عند علماء النفس الاجتماعي، يتمثل في مجموع عقول أفراد مجتمعين بمحض إرادتهم الجمعية، ويتأهبون لعمل ما لا يمكنهم القيام به كأفراد، ويصدق ذلك في حالات المظاهرات والتجمعات أو الاحتفالات التي تجمع أعداداً غفيرة من الناس.
عندئذ تكتسب الحشود قوة جمعية لمواجهة أي موقف مناوئ أو يتعارض معها، كما ترحب بمن يناصرها.
وقد رأينا بأعيننا تجمعات الشباب عند بداية انطلاقة الثورات، فمعظمها أخذ في بدايته شكل تجمعات فردية ترفع شعارات ومطالبات تبدو مشروعة لدى طلابها، وخارجة عن القانون في نظر السلطة، وعادة ما تصاحب المظاهرات سلوكيات ذات طابع همجي وعدواني يطال الممتلكات العامة، سواء بالتحطيم أو الحرق والإتلاف، وهو سلوك مرفوض جملة وتفصيلاً.
وهذا ما أكد عليه علماء علم الأخلاق السياسي، فعندما يخضع العقل الجمعي لسيطرة عناصر هدامة، كما يحدث في حالات عديدة، يتم توظيف العقل الجمعي عبر الشعارات الرنانة ليخدم أهدافاً محددة، بانتهاج أسلوب تكتيكي لتنفيذ مخطط عادة ما يتم الإعداد له مسبقاً، ويكون عبارة عن خارطة طريق تسير على هداه المجموعات التي غالباً ما تمثل شرائح وفئات تعبر عن ألوان الطيف الاجتماعي.
ويرى عالم الاجتماع "إميل دوركايم" أن للعقل الجمعي نفوذاً وتأثيراً لا يمكن التنبؤ بمساره، وأن المجتمعات الإنسانية درجت على توظيف فكر الجماعة ليعبر عن تطلعاتها ورغباتها المكبوتة. فقبائل "الأرومو" في إثيوبيا، مثلاً، تلجأ للرقص الجماعي في أجواء مشبوبة بالبخور وإيقاع الطبول، لطرد الأرواح الشريرة أو الأوبئة التي تجتاح منطقتهم، وعبر الرقص المحموم يتم شفاء بعض المرضى من أوجاعهم ومتاعبهم النفسية والجسدية.
فالرقص الطقسي أحد وسائط الاستنفار التي تدعو الجماعة للانتظام والتفاعل الاجتماعي، دفاعاً عن مصالح الجماعة. كأن المجتمع، أي مجتمع، يتضامن آلياً كما يرى دوركايم، لأن العقل الجمعي يوحدهم ويقودهم في اتجاه يفضي بهم إلى ما يشبع رغباتهم وتطلعاتهم وأمانيهم، لضمان استقرار أمنهم الاجتماعي.
وفي المجتمعات المعاصرة تغيرت ميكانيزمات العقل الجمعي، بسبب زيادة الوعي وانتشار التعليم، فنجد أن جماعات الضغط الاجتماعي وجمعيات حماية البيئة ومنظمات حقوق الإنسان هي التي تعبئ الرأي العام، وهو المصطلح المماثل للعقل الجمعي، لأن الرأي العام ينطق بلسان مجموعة عقول الأفراد، والمظاهرات التي تنظمها جماعات أصدقاء البيئة ضد إزالة الأشجار في البرازيل وأطراف الأمازون، كان لها تأثيرها على عدم بناء مفاعل ذري كان يتم الإعداد له مسبقاً.
ما تهم الإشارة إليه، هو أن ما يسميه البعض بالربيع العربي لا يمكن النظر إليه إلا بكونه حراكاً جمعياً، جسد وسيجسد تطلعات ورغبات مكبوتة بسبب القمع وعدم إشباع الحاجات، سواء المادية أو المعنوية.
إن كل الدلائل تشير إلى أن العالم العربي يمر بمنعطف خطير، وأن الذين استبشروا خيراً برياح الربيع العربي لم يفيقوا من الصدمة، وكثوريين نذروا أرواحهم فداء للثورة التي سرقت من مفجريها في وضح النهار، ولا أحد يدري في أي اتجاه ستسير الأحداث في المستقبل.