بعد حوالي شهر من التردد، فاجأ الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي الجميع باختيار وزير الري في حكومة الجنزوري الأخيرة "هشام قنديل" ليكون رئيسا للوزراء.

الاسم كان خارج كل التوقعات والترشيحات التي تناولت العديد من الشخصيات المعروفة مثل الدكتور البرادعي والعديد من خبراء المال والاقتصاد المعروفين، فإذا بالأمور تنتهي عند مهندس الري الذي لم يعرف عنه أي اهتمام بالعمل السياسي قبل، والذي مارس العمل البيروقراطي سنين طويلة وكان مديراً لمكتب وزير الري الأشهر في العقود الأخيرة خبير الري العالمي الدكتور محمود أبو زيد، ومن باب البيروقراطية جاء قبل شهور إلى مقعد الوزارة في حكومة الجنزوري التي اعتمد فيها لدرجة كبيرة على وكلاء الوزارات وكبار الموظفين ليقوموا بمسؤولية وزارات عديدة.

من خارج التوقعات جاء مهندس الري هشام قنديل ليثير العديد من علامات الاستفهام والدهشة من اختياره لرئاسة حكومة مصر في ظروف بالغة الصعوبة.

 بالطبع لم يصدق أحد ما قالته بعض قيادات جماعة الإخوان المسلمين إنها "فوجئت" بهذا الاختيار، بينما لم يستطع البعض الآخر إخفاء دهشته خاصة من خارج الأحزاب والجماعات الإسلامية، ومن الشخصيات المستقلة والليبرالية والشبابية التي دعمت مرسي في انتخابات الإعادة ضد أحمد شفيق.

عوامل المفاجأة تأتي من انتظار البعض لإسناد رئاسة الوزارة لشخصية مستقلة لها مكانتها تستطيع المساعدة في إنهاء الاستقطاب السياسي الحاد الموجود حاليا أو التخفيف منه، وتستطيع طمأنة المتخوفين من حكم الإخوان فإذا بالاختيار يقع على شخصية ثانوية ليس لها أي حضور سياسي، أثارت الجدل فور اختيارها حول ما إذا كانت تنتمي لجماعة الإخوان المسلمين أو أنها فقط قريبة منها.

أيضاً تأتي المفاجأة من أن كل التوقعات كانت تركز على شخصيات سياسية مستقلة مثل البرادعي أو على شخصيات قريبة من عالم المال والاقتصاد للتعامل مع الملف الاقتصادي بالغ التعقيد، بعد تراجع السياحة وتوقف الاستثمار الأجنبي والمحلي، وتراجع الإنتاج وتوقف مئات المصانع عن العمل.

وأيضاً تأتي المفاجأة مما سبق أن أثاره لقاء مرسي مع الشخصيات الليبرالية والمستقلة وبعض رموز الثورة من آمال في تكوين جبهة وطنية عريضة تستطيع العبور بمصر من أزمتها الراهنة. وهنا يأتي الحديث عن الوثيقة التي صدرت عن هذا اللقاء والتي تعهد فيها الرئيس مرسي - في حال فوزه في الانتخابات - بتشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة شخصية وطنية مستقلة من خارج حزب الحرية والعدالة وجماعة الإخوان.

بل وتم الاتفاق بعد ذلك على تشكيل لجنة الترشيحات الخاصة بتشكيل الحكومة والفريق الرئاسي. ولا أظن أن اختيار قنديل لرئاسة الحكومة أو باقي اختيارات الرئيس لها أي صلة بترشيحات هذا التحالف الذي كان عليه أن يعرف أن مهمته انتهت مع نهاية الانتخابات.

وبعيداً عن صدمة البعض وإحباط البعض واندهاش البعض، فإن مجيء قنديل إلى رئاسة الحكومة له أكثر من دلالة ينبغي الوقوف عندها:

- نحن هنا أمام تأكيد على استمرار النظام الرئاسي، والتمسك بأن تكون معظم السلطات في يد رئيس الجمهورية، وأن يكون رئيس الحكومة مجرد مساعد له. ووضع قنديل هنا لا يختلف عن وضع أحمد نظيف مع مبارك قبل السقوط.

- اختيار قنديل لرئاسة الحكومة يعني أن هناك سقفاً لقامات أعضاء حكومته. وهو يعني رحيل الكبار في مواقع عديدة في الدولة.

- اختيار قنديل يعني أن جماعة "الإخوان المسلمين" تدرك المصاعب التي يمكن أن يواجهها العمل المشترك مع حلفائها داخل الحكومة. وبالتالي فهي تريد الاحتفاظ بمركز القوة خارج الحكومة، في القصر الجمهوري رسمياً، وفي مقر الجماعة في واقع الأمر.

والحقيقة هنا أن الحديث عن حكومة جبهة وطنية كان يبدو حديثاً أقرب للأمنيات، فرئيس الجمهورية قادم من جماعة لها مشروعها الخاص وأيدلوجيتها التي لن تتنازل عنها، وبالتالي فإن كل ما قيل عن ترشيح البرادعي أو عمرو موسى أو غيرهما من الشخصيات التي لها خطها السياسي المختلف عن الخط السياسي لرئيس الجمهورية لم يكن له أي نصيب من الصحة.

والشخصيات الاقتصادية التي جرى الحديث معها هي شخصيات من الدرجة الثانية. والقرار واضح وطبيعي وهو أن الحكم للجماعة والوزراء ورئيسهم سينفذون برنامجها. وهو وضع لا يختلف كثيراً عن الوضع الذي كان مقترحاً بأن يتولى الرئيس مرسي بنفسه رئاسة الحكومة.

والوجه الإيجابي هنا أن وجود رئيس وزراء بدرجة مساعد لرئيس الجمهورية سوف يوحد سلطة القرار، وسوف يكون عاملاً على سرعة الإنجاز، لكن العقبات أمام هذا التصور كثيرة، فلا الرئيس، بخبرته المتواضعة في شؤون الدولة، قادر على جمع السلطة في يده، ولا الناس مستعدة لتقبل تركيز السلطة في فرد مهما كان، ولا الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد تسمح بحكومة من أنصاف الوزراء أو الوزراء تحت التمرين.

والأخطر من هذا أن شعور الناس بأن مركز اتخاذ القرار سيكون في يد قيادة جماعة "الإخوان المسلمين" سوف يعني ازدياد المخاوف من جهود الجماعة لـ"أخونة" كل مؤسسات الدولة، وسوف يزيد من درجة الاستقطاب في المجتمع خاصة مع وجود كل القوى الليبرالية واليسارية وائتلافات شباب الثورة في صفوف المعارضة، وبعد الفشل المحتوم لما قيل إنه اتفاق (في ظل الانتخابات) على تكوين جبهة وطنية.

والأخطر بالنسبة للمواطن العادي هو أن أمامنا فترة أخرى من الارتباك وربما الصدام مع البيروقراطية المصرية القوية وهي تواجه محاولة تغيير هوية الدولة، خاصة مع محاولات الأطراف الأكثر تشدداً الاستحواذ على وزارات مثل التعليم والأوقاف والثقافة والخدمات، بما يعنيه ذلك من صدام مع الأزهر والمثقفين ومع فقراء يرون محاولات أثرياء الجماعات الإسلامية لوراثة أثرياء الحزب الوطني المنحل.

وزير "الري" قادم لرئاسة الحكومة المصرية، والمخاوف كثيرة من "جفاف" سياسي واقتصادي، بعد انتظار طويل لأن تمطر الثورة بعد الربيع.