قبل ثلاثة أيام، احتفل الشعب العربي في مصر بالذكرى الستين لثورة 23 يوليو المصرية المجيدة، وبإشعاعها التحرري شهدت مصر والوطن العربي بداية مرحلة جديدة في تاريخ النضال الشعبي ضد الاحتلال والاستغلال وضد الفساد والاستبداد، وبداية سلسلة جديدة من المعارك الطويلة التي لم تتوقف، مع القوى الصهيونية والاستعمارية وعملائهما، على طريق تحقيق الاستقلال الوطني والتنمية المستقلة والوحدة العربية..
وبعد ثلاثة أيام يحتفل الشعب العربي في مصر وسوريا، بالذكرى التاسعة والثلاثين لانتصار العاشر من رمضان المجيد، الذي حقق أول نصر عسكري للشعب العربي كله على إسرائيل والقوى الاستعمارية، بما شكل زلزالا حقيقيا ضرب نظرية الأمن الصهيوني، وأثبت أن الهزيمة ليست قدرا عربيا وأن النصر ليس احتكارا صهيونيا.
وهنا نجد أنفسنا أمام مصادفة تاريخية ذات دلالات مضيئة بأكثر من إشارة وبشارة، بمستقبل الوطن العربي والأمة الإسلامية؛ أن تتواكب إشراقة شهر رمضان المعظم، شهر الانتصارات الإسلامية الكبرى للنور على الظلام في تاريخ المسلمين، مع إطلالة شهر يوليو المجيد، شهر الانتصارات الوطنية الكبرى للعدل على الظلم في تاريخ العرب.
بما يؤكد أن النصر في النهاية هو للنور على الظلام، وللحق على الباطل، وللشعوب على المستعمرين، وللعدل على الظلم، وللاستقلال على الاحتلال، وللحرية على القهر، وللكرامة الإنسانية على كل ألوان الاستبداد والاستعباد.
وفي تاريخنا العربي والإسلامي، صفحات مضيئة تثبت أن حركة التاريخ هي في النهاية نحو الحق والعدل والحرية، مهما طال الليل واشتد الظلام، فكلما اشتد الظلام أشرق الفجر، فمن انتصار بدر، إلى فتح مكة، إلى انتصار القادسية شرقا، إلى فتح الأندلس غربا، إلى العديد من الانتصارات الإسلامية في هذا الشهر العظيم على امتداد الأعوام في تاريخنا الإسلامي العريق..
ومن انتصار ثورة يوليو المصرية عام 52 التي حررت الوطن من الاحتلال والمواطن من الاستغلال، إلى انتصار ثورة يوليو العراقية عام 58 التي حررت بغداد من "حلف بغداد" الاستعماري، إلى الذكرى الخمسين لانتصار ثورة نوفمبر الجزائرية التي حررت الوطن من الاستعمار الفرنسي وحققت الاستقلال في يوليو عام 62، إلى انتصار المقاومة الوطنية اللبنانية على العدوان الصهيوني عام 2006 في تاريخنا العربي الحديث.
إن هذه الانتصارات العربية والإسلامية الكبرى بالأمس، هي التي حركت تحالف قوى الظلم والظلام، والاحتلال والاستغلال، والفساد والاستبداد، بقيادة قوى الاستعمار الانجليزي والفرنسي القديم، وقوى الاستعمار الصهيوني والأميركي الجديد، بدوافع الثأر التاريخي من العرب والمسلمين، لمحاولة تشويه هذه الانتصارات وإجهاض هذه الثورات، وشن الحروب العدوانية الخارجية والداخلية لاحتلال البلاد العربية والإسلامية..
وقد جاء عدوان يونيو عام 67 لوقف تقدم حركة التحرر الوطني العربية، وتمكين إسرائيل من احتلال سيناء المصرية والجولان السورية، والضفة الغربية الفلسطينية وفي قلبها القدس الشريف، وهو ما لم يستسلم له العرب وحققوا أكبر انتصاراتهم في رمضان/ أكتوبر عام 73..
ومنذ ذلك التاريخ وتلك القوى الاستعمارية الصهيو أميركية الجديدة، تحاول منع العرب من استعادة زمام المبادرة لاستعادة القدس وتحرير فلسطين، فوضعوا خططهم السوداء على ثلاثة محاور؛ الأول، محاولة إجهاض النصر العسكري العربي الذي تحقق، وتحويله إلى نصر سياسي صهيو أميركي عن طريق فرض إسرائيل كواقع معترف به من خلال اتفاقيات سلام ثنائية مع دول المواجهة العربية.
. والثاني، العمل على إجهاض قيام أية قوة إقليمية عربية أو إسلامية، بالغزو من الخارج أو بالغزو من الداخل تحت عناوين وذرائع كاذبة أو خادعة، لتمكين إسرائيل من أن تكون القوة الإقليمية النووية الكبرى والوحيدة في المنطقة، بما يحقق السيطرة الأميركية بواسطتها على المنطقة كلها..
والمحور الثالث هو إضعاف الدول العربية والإسلامية المناهضة لإسرائيل والمحيطة بها، عن طريق التقسيم عبر مشروع "الفوضى الخلاقة" وإشعال الحروب الأهلية، لفتح الطريق أمام التدخلات العسكرية للحلف الأطلسي الاستعماري، وصولا لفرض مشروع التقسيم الكبير في "الشرق الأوسط الكبير"! لهذا لم يكن غريبا أن توضع خطة "برنارد لويس" لإعادة رسم خرائط الشرق الأوسط، والمنشورة في المجلات العسكرية الأميركية .
وعلى مواقع الانترنت، والتي لم تقرأها بعناية "أمة اقرأ" التي لا تقرأ، في العام 74 أي في العام التالي مباشرة لانتصار العرب على إسرائيل عام 73، بهدف ضمان ألا يتمكن العرب والمسلمون من تحقيق أي انتصار جديد.. وضمان تحقيق الأمن الدائم لإسرائيل، عن طريق ضرب وتفكيك الجيوش العربية التي حققت انتصار رمضان، وهو ما نشهده الآن بوسائل مختلفة لقلب الحقائق وغزو العقول العربية.
ولكن، كما أثبتت انتصارات رمضان الإسلامية أن الحق ينتصر على الباطل في النهاية وأن النور يقهر الظلام.. وكما أثبتت انتصارات يوليو العربية أن الاستعمار مشروع فاشل ورهان تاريخي خاسر، فإن الشعوب دعاة الحق والعدل والحرية، هي المنتصرة على المستعمرين في النهاية.