إننا نشهد تحولا زلزاليا في الشؤون العالمية. وهذا التحول عبارة عن عاصفة كاملة من التغييرات السياسية والديموغرافية والتكنولوجية من شأنها أن تجعل، عما قريب، العالم كما عرفناه على مدى السنوات ال30 الماضية يصعب التعرف عليه تقريبا.
ومنذ منتصف ثمانينات القرن الماضي، كان هناك عدد من الثوابت العالمية المقبولة. إذ كان من المفترض أن الاتحاد الأوروبي تطور إلى ما بعد الدولة القومية عندما أنهى دورة النزعة العسكرية وتخلى عن رأسمالية السوق الحرة. وفي ظل كل من اليوروالقوي والقوة الناعمة وسياسة عدم الانحياز الخارجية، أشيد بالاتحاد الأوروبي باعتباره نقيضا مثاليا للولايات المتحدة المبالغة في التسلح وذات الدولار المعتل.
أما ألمانيا، التي نبذت بعد خسارة حربين عالميتين، وكانت تصارع شعورها بالذنب، فقد كان من المقرر أن تغمر بشكل دائم في التحالفات الأوروبية كنوع من التكفير عن الذنب، حيث كان من المتوقع دائما أن قوتها الاقتصادية ستدعم تجربة منطقة اليورو.
وعلى امتداد السنوات ال40 الماضية، بدا الشرق الأوسط العربي وكأنه قمرة قيادة العالم، إذ جلبت احتياطاته النفطية الضخمة تريليونات الدولارات من الغرب المفتقر إلى النفط، جنبا إلى جنب مع التنازلات السياسية. وساهمت عائدات النفط في تغذية توجه فكري بعينه. وعموما، فقد تجاهل الغرب أية مخاوف متعلقة بحقوق الإنسان قد تشمل الأنظمة على اختلافها في تلك المنطقة.
وافترضت الحكمة التقليدية أيضا أن الولايات المتحدة المثقلة بالديون كانت في انحدار دائم، فيما كانت الصين الغنية بالسيولة في صعود. كما افترضت أن العالم سيجري التصحيحات السياسية اللازمة على نحومتزايد خلال تمحوره شرقا. ولكن أيا من أشكال الحكمة التقليدية تلك لا يبدوالآن حكيما للغاية ويعود ذلك بصورة رئيسية إلى عدد من التطورات التكنولوجية والاضطرابات السياسية غير المتوقعة بالمثل.
فمنطقة اليوروآخذة في التداعي. ومن شأن شعب هرم آخذ في التقلص ودولة رفاه اشتراكية أن يفضيا إلى العبودية، لا إلى المثالية. والشعور بالذنب إزاء الحرب وعضوية الاتحاد الأوروبي لن يضمنا الدعم الألماني بعد الآن، ولكنهما، بدلا من ذلك، سينفران الشعب الألماني. ولا يتوقف مستقبل أوروبا الغائم على تكنوقراطيي بروكسل، ولكن على تعلم الأوروبيين كيفية التعامل مع ألمانيا مفعمة بالحيوية، وواثقة بنفسها على نحومتزايد، ومنزعجة.
ويختبر الشرق الأوسط الآن سقوطا حرا. فقد تمت الإطاحة بالطغاة في كل من مصر وليبيا وتونس واليمن، فيما يترنح طاغية سوريا. ولكن في حين أن العالم تمنى أن يخلف أولئك الطغاة ديمقراطيون علمانيون، فإننا نشهد على الأرجح ظهور الجماعات الإسلامية، ومنها جماعة الإخوان المسلمين. وربما تغرق المنطقة في حالة من الفوضى، سواء تبين أن هذه الاضطرابات تشبه النموذج الديمقراطي التركي الذي يصبح إسلاميا شيئا فشيئا أوغيره من النماذج.
وبفضل تقنيتي الحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي، اللتين حولتا الرمال الزيتية والقطران إلى مصدرين غنيين بالنفط والغاز الطبيعي، فقد يتضح أن الولايات المتحدة تملك أكبر مخزن من احتياطات الوقود الأحفوري في العالم - ومن الناحية النظرية، فإن أميركا، مع ما يكفي من النفط والغاز والفحم، لن تحتاج أبدا إلى أية طاقة مستوردة من الشرق الأوسط. وفجأة، أصبحت "الذروة النفطية" بمثابة مفارقة تاريخية. إذ أن الاستخدام الأميركي واسع النطاق للغاز الطبيعي الرخيص سيساهم في تنظيف الكوكب أكثر من ألف شركة "سوليندرا".
وفي حال استغلت الولايات المتحدة مواردها، فإن أمراضها الحالية بما في ذلك العجوزات الضخمة في الميزانية والميزان التجاري، والديون المتزايدة، والضعف الاستراتيجي - سوف تبدأ في التراجع. ويعتبر هذا التقدم الخارق في هندسة البترول ظاهرة أميركية إلى حد كبير، تذكرنا بأنه لم يزل هناك شيء استثنائي في التجربة الأميركية التي تقدم دوريا أحدث التقنيات والبروتوكولات في العالم - كتلك التي ابتكرتها شركات "أمازون"، و"أبل"، و"جوجل"، و"مايكروسوفت"، و"ستاربكس" و"وول مارت".
وفي المقابل، فإن الصين ليست فقيرة الموارد فحسب، وإنما فقيرة من الناحية السياسية. وعلى امتداد عقود من الزمان، قيل لنا إن الشمولية الصينية، عندما دمجت برأسمالية عدم التدخل، أفضت إلى المطارات المتألقة والقطارات فائقة السرعة، فيما اكتفت أميركا التنازعية والمتساهلة بمطار "لوس أنجليس" المتهدم، وبقايا قطارات "أمتراك" المتهالك. ولكن الحقيقة هي أن مطار لوس أنجليس سيصبح حديثا على الأرجح قبل أن يجري الصينيون انتخابات مفتوحة وسط مجتمع شفاف - نظرا إلى أن الأسواق الحرة لم تجعل الصين ديمقراطية، وإنما أكثر تناقضا فحسب.
من كان يتوقع أن حفنة من مبتكري التكسير الهيدروليكي في ولاية تكساس سيغيرون بصمة الكربون في العالم أكثر بكثير مما فعل آل غور الحائز على جائزة نوبل ويساعدون الولايات المتحدة على أن تصبح مستقلة من حيث الطاقة. أوأن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وليس الاتحاد الأوروبي، ستدير أوروبا. أوأن العرب سيطيحون بطغاتهم، فيما تقف إسرائيل متفرجة.