مع انطلاق ثورة المعلومات والتزايد الهائل للبيانات على الإنترنت، ومع ظهور الهواتف الجوالة والذكية والحاسوبات اللوحية بوتيرة متسارعة وبشكل غير مسبوق، أصبح هناك مخزون رقمي ضخم يحتاج استيعابه إلى إمكانيات حاسوبية هائلة، حتى يمكن تحويل هذه البيانات التي لا حصر لها إلى معلومات واضحة ومحددة، يمكن الاعتماد عليها في الحصول على إجابات أو المساعدة في صنع القرار، وأصبح هذا العصر يسمى بحق عصر المعلومات.
ووفرة المعلومات في مجملها أمر إيجابي، ولكننا قد نعاني من فيضان أو طوفان المعلومات، بحيث يصبح الحصول على المعلومة أمراً صعبا بسبب كثرة المصادر وتنوعها، وتضارب المعلومات في بعض الأحيان، ومن أجل ذلك انطلقت ثورة أخرى لتوظيف إمكانيات الحاسوب في التعامل مع اللغات الحية، وحدثت طفرة كبيرة في علم يسمى "اللغويات الحاسوبية".
ويأتي هذا الزخم في الوقت الذي أصدر فيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، ميثاق اللغة العربية وإنشاء المجلس الاستشاري للغة العربية، بهدف جعل دبي مركزا لدعم اللغة العربية على أنها لغة الهوية والتراث.
ويعتبر علم اللغويات الحاسوبية من العلوم الحديثة نسبيا، ويهدف إلى استخدام إمكانات وطاقات الحاسوب في تحليل اللغة ومعالجتها، بحيث يسهل استخلاص المعلومات منها أو ترجمتها أو تدقيق الأخطاء فيها، إلى غيرها من الوظائف الكثيرة والمتنوعة..
فمن منا لم يستخدم المدقق الإملائي؟ ومن منا لم يجرب الترجمة باستخدام غوغل؟ ومن منا لا يستخدم البحث على الإنترنت بشكل يومي، مهما اختلفت الأسباب وتنوعت الأغراض؟ هل تعلم أنك في كل هذه الحالات تستخدم أحدث تطبيقات علم اللغويات الحاسوبية؟
ومما تجدر الإشارة إليه، أن اللغة العربية تحتاج لجهد خاص في هذا المضمار، بسبب طبيعتها التي تختلف عن اللغات الأوروبية، وذلك نظرا لثرائها الصرفي وتنوع التراكيب النحوية فيها. فعلى سبيل المثال؛ نجد أن كلمة عربية واحدة مثل "وسيوضحونها" تمثل جملة كاملة، بحيث إن حرف العطف وسين الاستقبال وياء المضارعة، كل ذلك قد سبق الفعل، بينما يتبع الفعل واو الجماعة وضمير المفعول به.. فلا بد لبرامج الحاسب إذن، أن تتعلم كيفية إجراء الفصل بين كل هذه الأجزاء، قبل إجراء أي تحليل للكلمة، بحيث تصير "و- س - ي- وضح - ون - ها".
وينبغي التنويه إلى أن الخطأ في تقسيم الكلمة، يؤدي بدوره إلى خطأ في باقي مراحل التحليل. فعلى سبيل المثال؛ عندما تبحث في محرك البحث غوغل عن كلمات "خليج، الخليج، والخليج، وبالخليج، وخليج"، تحصل على نتائج مختلفة في كل مرة، مع أن الكلمة الرئيسية واحدة.
ومع استمرار الأبحاث سوف تزداد دقة البحث، بل سيصبح ما كان ضربا من ضروب الخيال العلمي، حقيقة ملموسة. فمثلا؛ في المستقبل سوف يمكنك أن تكتب سؤالك مباشرة على الإنترنت "ما هو أفضل مطعم في دبي؟" وتأتيك الإجابة مباشرة، وهناك بالفعل أبحاث جادة وبعض التطبيقات التجريبية في هذا المجال.
وفي بعض الجامعات في الإمارات، نجد نشاطا بحثيا ملحوظا في مجال اللغويات الحاسوبية وتطبيقاتها على اللغة العربية، كالجامعة البريطانية في دبي، حيث تركز الأبحاث في الجامعة البريطانية أساساً، على معالجة اللغة العربية من حيث التحليل الصرفي والإعراب الآلي وبناء المعاجم وتطوير أنظمة التعليم الآلي للغة العربية.
فتهدف أنظمة التعليم الآلي للغة العربية إلى خدمة متعلمي اللغة، سواء من الناطقين بالعربية أو غيرهم، وذلك ببيان الأخطاء في النصوص التي يكتبونها، مثل الخطأ الهجائي، أو في تصريف الأفعال، أو الأسماء، أو عدم وجود مطابقة بين الفعل والفاعل، أو استخدام الفعل المتعدي على أنه لازم أو الفعل اللازم على أنه متعدٍ، ويكون ذلك من خلال تطبيق تفاعلي على الإنترنت، وباستخدام أساليب ومصطلحات مبسطة يستطيع المتعلم أن يفهمها.
ويمكن استخدام أساليب المعالجة الآلية للغة في الكثير من التطبيقات التعليمية، مثل اختيار النصوص في المناهج، والمساعدة في وضع الاختبارات والتقييم، كما تشمل الأبحاث تطبيقات البحث والاسترجاع وتحليل النتائج والوثائق، وربطها ببعضها ومقارنتها بجملة البحث.
وبنظرة موضوعية إلى الجهود البحثية المبذولة، نجد أنها تحتاج إلى تضافر الجهود وتوفير الإمكانيات والتنسيق بين الباحثين، وذلك لأن العمل في هذا المجال يعد من الأمور الصعبة، إذ لا بد للباحث أن يتقن الوسائل الحاسوبية كالبرمجيات والإحصاء والاحتماليات، وفي نفس الوقت لا بد له أن يتعمق في فهم اللغة، ويتعرف عن كثب على طبيعتها وخصائصها وكيفيه بناء الكلمات والتراكيب النحوية المختلفة فيها، الأمر الذي لن تكون له إلا الآثار الإيجابية على مستقبل اللغة وهوية أبنائها.