سألتني إحداهن صباح اليوم على حين غرة، كأنها تبلغني بخبر غريب وفريد من نوعه: كان هناك خبر على موقع فيسبوك عن حدوث زلزال في القاهرة، فهل بلغك هذا الخبر؟ فرددت بلا اكتراث حقا قائلا: هل حدث ذلك بالفعل؟
ولكن في حقيقة الأمر، فإن هذا الخبر أثار اهتمامي بأن أعاد إلى ذهني حادثين ارتبطا بالزلازل في القاهرة.
كانت المرة الأولى قبل سنوات عدة، عندما كنت لا أزال شابا في مقتبل العمر، وربما كان ذلك في زيارتي الأولى للقاهرة بعد طفولتي. أيا كان الأمر، فقد كنت راقدا في فراشي بين اليقظة والنوم، عندما بدأ الفراش بكامله يهتز وينتقل من جانب إلى آخر. ولم أستطع تخمين حقيقة الأمر، ولكن خطر ببالي عندئذ أنه ربما كان هناك شخص ما تحت الفراش، وأنه يهزه من جانب إلى آخر.
وفي التو وثبت مبتعدا عن الفراش، ونظرت تحته وقد صممت على مهاجمة أي شخص قد يكون هناك. ولما لم أجد أحدا، فقد قررت تجاهل الأمر بأسره وعدت للرقاد مجددا.
في صباح اليوم التالي سمعت أناسا يتحدثون عن وقوع زلزال أثناء الليل، وسألت عما إذا كان الخوف منه قد استبد بي أم لا. وعلى الرغم من أنني قد أزعجني احتمال وجود شخص تحت فراشي يقوم بهزه، إلا أنني قد اضطررت إلى الإقرار بأنني لم أدرك أنني أتعرض لتأثير زلزال. وفي حقيقة الأمر، فإنني لم أبلغ أحدا على الإطلاق بأنني رحت أتطلع تحت الفراش، معتقدا أنه كان هناك شخص تحته، ونسيت الأمر برمته.
حدثت تجربتي الثانية مع الزلازل في القاهرة أيضا، فقد كنت هناك مع صديق سوداني لي كنت قد تعرفت عليه في دبي، وقد التقينا في القاهرة وسألني عما إذا كنت أود زيارة صديق له سوداني أيضا، كان قد اشترى إحدى الشقق الصغيرة التي تقع في بنايات كانت تشيد آنذاك في ضواحي القاهرة.
قال صديقي: لقد اشترى شقة تقع في الطابق التاسع عشر. ثم أضاف ضاحكا: الحمد لله أن هناك حياة.
لدي نوع من الخوف من الأماكن العالية، ولكني لم أحب الإقرار بهذا لصديقي، ولذا دلفنا إلى المصعد وضغطنا الزر للصعود إلى الطابق التاسع عشر.
كان صديق صديقي قد حصل على ماكينة إيطالية لإعداد القهوة في السوق الحرة، وجلسنا جميعا نحتسي القهوة، وشرعنا في تجاذب أطراف الحديث عن الطيب صالح والاستقبال الرائع لمؤلفاته التي كنت قد ترجمتها من العربية إلى الإنجليزية، وكيف أن كاتبين سودانيين آخرين قد ظهرا أخيرا على الساحة، وقيل إن هناك من يعكف على ترجمة أعمالهما.
كنا في قلب الإشارة إلى أسماء كتاب سودانيين آخرين، ربما يمكن أن يساهموا في إبداع الرواية العربية ويستحقون أن تترجم أعمالهم. وكان قدحي في منتصف طريقه إلى فمي، عندما بدا أن الدنيا بأسرها قد انقلبت رأسا على عقب، فيما اندفعت محتويات القدح لتنسكب على قميصي وسروالي. وفي الوقت نفسه تحطم قدح صديقي على الأرض، بينما كان مضيفنا يصيح بالإنجليزية مندهشا: يا للجحيم! ما الذي يجري بحق السماء؟
انطلق يعدو إلى باب الشقة وفتحه، وفي الوقت نفسه ضغط على زر المصعد. وفيما كان يفعل ذلك أقبل رجل إنجليزي راكضا نحونا وهو يهتف مندهشا: الشيء اللعين لا يعمل، لقد أوقفوه عن العمل بسبب الزلزال.
سألت في ما يبدو أنه حمق بالغ: ماذا عسانا نفعل؟ قال صديقي، الذي كنت قد تعرفت عليه في دبي، مقررا ما هو واضح للعيان: لسوف نهبط تسعة عشر طابقا.. ففي نهاية المطاف لم يكن أمامنا بديل آخر إلا أن نلقي أنفسنا من إحدى النوافذ.
فيما مضينا ننزل عن الدرج، كان بوسعنا أن نسمع الصراخ والتأوه والأنين من الآخرين، الذين كانوا يشقون طريقهم نازلين بدورهم.
أحمد الله أنه بحلول ذلك الوقت كان الزلزال قد توقف، ولكن مجرد فكرة النزول على الدرج 19 طابقا كانت مزعجة على أقل تقدير، بينما كانت تدور في ذهني خاطرة حول أن الزلزال قد يحدث اهتزازاته العنيفة بينما نحن ننزل الدرج.
وعندما وصلت بالفعل إلى منتصف الدرج، كان التعب قد استبد بي إلى حد الدوار، بينما رأيت أن صديقي السوداني كان يبدو أن ساقيه لا تقويان على حمله.
أسعدني على الأقل أن هذه التجربة قد حدثت لي في وقت كنت لا أزال في قمة لياقتي البدنية وقدرتي على ممارسة لعبة الاسكواش، ولكنني لن أدخل مجددا أبدا مصعدا يحملني إلى أعلى أكثر من خمسة أو ستة طوابق.