تأتي زيارة وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون الحالية للقاهرة في ظروف بالغة الدقة، وبعد أسبوع عاصف مرت به مصر ووضعها على حافة صدام هائل، كان محوره محاولة إعادة الحياة لمجلس الشعب "البرلمان" الذي حكم القضاء ببطلانه، ولكن جوهره كان الصراع الدائر حول السلطة، وطرفاه الأساسيان كانا الجيش والإخوان المسلمين.
لماذا تعجل الرئيس مرسي و"جماعة الإخوان المسلمين" الصدام حول مجلس الشعب الذي كانت المحكمة الدستورية العليا قد حكمت ببطلان انتخابه، وهو يعلم أن قراره لا أساس قانونيا صحيحا له، بدليل إقراره بعد ذلك بصحة الحكم الصادر من المحكمة الدستورية؟
لا أعتقد أن الرئيس مرسي يخشى من بقاء سلطة التشريع لدى المجلس العسكري مؤقتا، لأن أي تشريع لا يمكن أن يصدر إلا بعد موافقة وتصديق رئيس الجمهورية، فهل كان المقصود من محاولة إعادة الحياة لمجلس الشعب هو أن يمرر المجلس "بصورة عاجلة" تشريعات يرى مرسي أنه بحاجة إليها لتوطيد الحكم الجديد.
ويعرف أن المجلس العسكري لن يوافق عليها ولن يسمح بإصدارها، خاصة إذا كانت تعني تغييرا في موازين القوى أو هيمنة على بعض المؤسسات، أو إلغاء مؤسسات أخرى، مثل المحكمة الدستورية نفسها؟!
أم أن وراء القرار حرصا على السيطرة على عملية وضع الدستور، حيث إن اللجنة التي أعيد تشكيلها والتي تقوم بوضع الدستور مهددة بالحكم القضائي مرة أخرى ببطلانها، فإذا حدث ذلك في غيبة البرلمان فسيقوم المجلس العسكري بنفسه بتشكيل اللجنة الجديدة للدستور، أما إذا كان البرلمان موجودا فسيقوم بغرفتيه "مجلس الشعب ومجلس الشورى" بالحكم في تشكيل اللجنة؟!
أيا كان الأمر، فإن الملاحظة الأولى أن قرار الرئيس مرسي الذي حاول فيه إعادة الحياة لمجلس الشعب المحكوم ببطلانه، جاء في اليوم التالي لاجتماع عاجل لقيادة جماعة الإخوان المسلمين برئاسة المرشد العام، حضره رئيسا مجلسي الشعب والشورى.
الملاحظة الثانية أن القرار صدر في نفس اليوم الذي قابل فيه مرسي نائب وزيرة الخارجية الأميركية ويليام بيرنز، وقبل ذلك بأيام كانت السفيرة الأميركية بالقاهرة قد أطلقت تصريحات تؤكد فيها على أهمية وجود برلمان منتخب لاكتمال العملية الديمقراطية، وقبل ذلك كانت موجة التصريحات التي شاركت فيها وزيرة الخارجية الأميركية، والتي وجهت انتقادات للمجلس العسكري، ووجهت إشارات اعتبرتها القاهرة تدخلا مرفوضا في أعمال القضاء.
ومع ذلك، فإن بعض الشواهد تقول إن الرئيس مرسي ربما لم يكن متحمسا للقرار الذي صدر عنه بعودة البرلمان، وهو لم يعلن القرار بنفسه ولم يتحدث عنه منذ أصدره، وحتى تم التراجع عنه بدعوى احترام أحكام القضاء، ولعله كان يتحسب للعواقب التي ستترتب على فشل محتمل في أول معركة يخوضها بعد انتخابه، فرغم الحشود التي جيء بها لتأييد القرار.
ورغم ما حدث من انقسام في القوى الوطنية حولها، إلا أن الموقف الحاسم لكل المؤسسات القضائية في رفض القرار الذي اعتبرته انتهاكا لقدسية القانون وحطا من شأن القضاء، والإحساس السائد لدى المصريين بأن استهداف القضاء سيكون كارثة.
والموقف الهادئ من المجلس العسكري الذي ترك الصراع ليكون بين الرئيس والإخوان من ناحية والقضاء والقوى المدنية من ناحية أخرى، كل هذه العوامل، جعلت مرسي يتراجع بعد حكم جديد للمحكمة الدستورية يلغي قراره.
وبعد تهديد غير مسبوق من القضاء باتخاذ إجراءات حاسمة لوقف العدوان على القضاء، منها التلويح باتخاذ إجراءات قضائية تستهدفه شخصيا، لكن تراجع مرسي في معركة إعادة مجلس الشعب لا يعني أن المعركة انتهت ولا يعني إلا أننا أمام مرحلة من الصراع على السلطة، كل الأمل فيها أن يظل الصراع سلميا حتى النهاية.
في هذا الجو العاصف، تأتي وزيرة الخارجية الأميركية للقاهرة في أول زيارة بعد انتخابات الرئاسة، تأتي لتهنئ الرئيس الجديد، ربما كان الأمر سيكون أفضل بالنسبة لها لو أن الرئيس الجديد كان قد تعجل أول أهدافه في معركة إعادة مجلس الشعب، وربما كان الأمر سيكون أسهل لو أن العلاقة مع المجلس العسكري لم تصل إلى حد اتهامه من جانبها "أنهم يقولون شيئا ويفعلون شيئا آخر!".
ولا أظن أن كلينتون ستسعى للمزيد من الضمانات من الإدارة الجديدة الممثلة في الرئيس مرسي، فواشنطن أعلنت منذ العام الماضي أنها حصلت من "الإخوان المسلمين" على الضمانات المطلوبة، وفي مقدمتها احترام اتفاقية السلام مع إسرائيل، والاستمرار في السياسات الاقتصادية الحالية، وضمان المرور للسفن الحربية الأميركية في قناة السويس.
وما ستقدمه كلينتون أيضا معروف، تسهيلات اقتصادية، ودعم للحصول على قرض البنك الدولي، واستمرار الضغوط على المؤسسة العسكرية المصرية، والأهم طبعا بالنسبة لمرسي هو الاستمرار في التعاون الإيجابي مع الإخوان المسلمين.. خاصة بعد بروز تيار معارض داخل الكونجرس ".
وأيضا داخل الإدارة الأميركية"، يطالب بعدم الاندفاع في اتجاه تأييد الأحزاب الإسلامية خوفا من تكرار تجربة باكستان، بدلا من المضي على طريق تركيا كما يأمل المؤيدون للتقارب الأميركي مع هذه الأحزاب، وتحسبا لخسارة التيارات الليبرالية والمؤيدة للدولة المدنية وخسارة التحالف مع المؤسسة العسكرية في وقت واحد.
صراع الجنرالات والعمائم قد يجري تحت العباءة الأميركية، ولكن ماذا عن الملايين التي دفعت الثمن قبل الثورة وبعدها، ولم تحصل على شيء حتى الآن؟ وماذا عن ضباط صغار يرفضون أن يكون الأمر مرتبطاً بصراع الجنرالات والعمائم أو باتفاقهم؟! أسئلة نرجو أن تجد إجاباتها قبل أن يفوت الأوان!