يعجز التحليل السياسي غالباً عن استباق الحقائق الطارئة والزلازل السياسية غير المتوقعة، وقد ثبت بالدليل القاطع المانع أن المُستقبليّين الناظرين لأحوال البلدان والشعوب، كثيراً ما يُفاجأون بما لم يدر في خلدهم البتة.
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن المسافة بين قوانين التاريخ ونواميس الوجود، تكاد أن تغيب عن ناظر المُستقبليين. فقوانين التاريخ تتّسم بقدر كبير من الدهاء الذي يفضي إلى معقول اللا معقول، وتسخر من المُطمئنّين الواثقين، فيما تقبع نواميس الوجود فى مدى مرئياتنا القاصرة وغير القادرة على رؤية ما وراء الآكام والهضاب.
ما نستطيع إدراكه حقاً هو تلك المقدمات الفادحة التي تنذر بأخطر العواقب، لكننا لا نستطيع رصد ما بعد المُقدمات، وإدراك تداعياتها ومآلاتها، كما لو أن قوانين التاريخ تنساب كالمياه الجارفة، وتختطُّ لها طُرقاً ودروباً جديدة، بل تفيض بالفيضانات العارمة المدمرة، لتكشف لنا بعد ذلك أرضاً مستوية لبناء جديد.
ولا أود هنا استعادة سلسلة من شواهد التاريخ القديم، التي أسفرت على انهيارات دراماتيكية لممالك ودولٍ وإمبراطوريات، بل سأكتفي بالإشارة إلى بعض المحطات المعاصرة التي شهدها العالم منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى، وهي على النحو التالي:
ـ انهيار روسيا القيصرية في زمن قياسي، وتبلور المشروع البلشفي اليساري، لنشاهد بروز إمبراطورية السوفييت العالمية الممتدة في كامل العمق الأوروآسيوي، والتي وصل إلى سدة حكمها البلاشفة ضمن تداعيات وتحولات لم تكن متوقعة، بحسب القراءات التحليلية اللاحقة على الحدث.
ـ الثورة الصينية الكبرى بقيادة الحزب الشيوعي الصيني، والتي تمكّنت من تقويض سلطة "الكومنتانغ" بفلول من المحاربين اليساريين المدعومين بالعمق الشعبي الفلاحي. وكان على نظريات "ماو تسي تونغ" العسكرية الغرائبية، أن تأخذ مجراها لتعصف بكامل المنظومة العسكرية العتيدة لحزب الكومينتانغ، بما يذكرنا بمرئيات كتاب "فن الحرب" التاريخي للحكيم الصيني "صن تس"، ولنكتشف لاحقاً تلك العناصر والأسباب المفارقة لمعطيات القوة المجردة.
ـ الانهيار الحر للاتحاد السوفييتي في خواتم القرن العشرين المنصرم، والذي بدا أكثر غرائبية من انهيار دولة رومانوف القيصرية السابقة عليه.
ـ وأخيراً، ما حدث في زمن الربيع العربي من انهيارات متتالية لسلسلة من الأنظمة التي كانت تصر على أنها لا تتشابه، وأن مصر ليست تونس، واليمن ليست ليبيا، وسوريا ليست هذه ولا تلك، وهكذا. غير أن قانون التاريخ بدا هنا قاسياً في تحديد المصائر، ومتوازياً مع نواميس الوجود الاجتماعي، النابعة من مقدمات لا تخطئها العين الباصرة والعقل اللبيب.
ما كان لتلك الأنظمة أن تسقط خارج نطاق التوقعات والتحليلات السياسية، لولا تلك القوة الكامنة في التاريخ، والموصولة بالمشيئة الإلهية التي كثيراً ما يتأبّى عليها البشر عندما يكونون مُنتشين بزهو الظفر والقوة والمنعة.
إنهم يكرسون كل شيء لترتيب المؤسسات العسكرية والأمنية، وضمان الولاءات، بل وترسيخ قاعدة صلبة لمؤسستي القوة والمال المُخرسَنتين بترويكا النظام؛ لكنهم فيما يفعلون ذلك يتناسون القوة الكامنة في الجماهير المسحوقة ماديّاً ومعنويّاً، بل إن السحق المعنوي والنفسي أقسى وأمر من العنف المادي، وهذا ما ثبت بالدليل القاطع في بلدان الربيع العربي التي فارقت حكمة الأرض ونواميس السماء، فكان ما كان من مظالم أفضت إلى المصير المحتوم.
الآن وبعد أن حصحص الحق، وثبت بُطلان التوهمات والتحليلات القاصرة، نتساءل: وماذا بعد؟ ويترافق هذا السؤال مع المخاضات الماثلة في تلك البلدان العربية، وتمدداتها العابرة للقارات والبحار، والجدل القائم حول تحديد ماهية الدولة الجديدة، ومعنى اللامركزية الناجزة؟ وهل سيصل الأمر إلى حد القبول بالدعوات الانفصالية تحت مُسمّى تقرير المصير وما شابه ذلك؟
وكيف يمكن ترسيم درب سالك للصراع التشريعي المرتبط بالدساتير القائمة ومآلاتها القادمة؟ وهل ستمثل التعددية السياسية السابقة والمُخاتلة امتداداً للتعددية اللاحقة، من حيث النزعة الاستقطابية الحادة وعدم القبول بطيوف الألوان والتحالفات الوقتية؟
أسئلة كثيرة تعيدنا إلى ذات المربع الذي بدأنا به المقال، وهو المسافة الفاصلة بين المأمول الذهني الطوباوي، والتوقعات المُدجّجة بحراب ناتئة، مزاجها الصراع المرير على حساب التنمية والتطور الحقيقيين.
يمكن للمراقب أن يلاحظ مثل هذه المآلات المحتملة، كلما أمعن النظر في سيناريوهات ما بعد الربيع. لكن هذا لايعني البتة أن قانون التاريخ يُجافي التطور، بل العكس. لكن هذا التطور لن يأتي بين عشيّة وضاحها، ولن يتجاوز عتبة الماضي القريب غداً أو بعد غد، وهذا يقتضي إدراك أن المجتمع الافتراضي المُزدهر، يتطلب جهاداً شاقاً وحقيقياً على قاعدة مُغالبة المألوف والمعروف.
والاستئناس بالوصفات والبروفات الإنسانية الأكثر نجاحاً مما نراه ساطعاً في الصين، والهند، والبرازيل، وتركيا، وماليزيا، على سبيل المثال لا الحصر. يحتاج العرب إلى منطق جديد للدولتيّة (مأسسة الدولة)، القائمة على النظام الاتحادي الناجز الشبيه بنظام دولة الإمارات العربية المتحدة الأكثر تميزاً ونجاحاً في العالم العربي.
كما يحتاجون إلى مزيد من الشفافية التي تبلورها مشاريع الدساتير الجديدة، الرائية لمكانة الإنسان الفرد، ومعنى المواطنة العصريّة، وكيفية أنسنة منظومة الحقوق والواجبات، على قاعدة السويّة المُجافية للتمييز أياً كان لونه وشكله، وكيفية تطوير مرئيات القوانين المتعلقة بالأفراد، بحيث يأخذ القانون الدولي الخاص مجراه ليضع الحق والواجب عند مثابة المعاهدات والمواثيق الدولية التي وقّع عليها العرب أجمعون.
تلك الاستحقاقات تمثل العتبة الأقسى والأصعب في تمثُّل معنى التغيير، وتجاوز مراحل الآلام والمتاعب. لكننا، رغم هذا وذاك، لا نستطيع الإمساك بما سيكون عليه الحال غداً أو بعد، تناسباً مع حكمة الخيام القائل: غدٌ بظهر الغيب واليوم لي * وكم يخيب الظن بالمُقْبلِ.
لم يكن الخيام بقوله هذا أبيقورياً وجودياً ناظراً للأنا المجردة، بل كان أيضاً وضمناً، رائياً لمعنى الزمان والمكان في تاريخيتهما ونسبية أحوالهما، مما نحتاجه ونحن نتقرّى معنى التحول في زمن الربيع العربي.