ربما لا يتخيل المرء مدى التباين الصادم بين اكتساب المعرفة وزيادة الوعي، إلا حين يقف في مجتمعاتنا على نماذج شبابية وجماهيرية ممتدة، تتقن وتحترف أعلى أبواب التكنولوجيا وموارد الحضارة وفنونها، وفي الوقت ذاته تقف عند عتبة متقلصة من الوعي لا تكاد تتجاوزها، فتراها تقع بسهولة غير متوقعة ولا مقدرة، في مثالب شبكات الاصطياد التقني بإغراءات ساذجة، تنال من خصوصياتهم وتستولي على أموالهم وأحياناً تستغل فيهم ما هو أكثر من ذلك.

قبل أيام أطلقت شرطة دبي تحذيرات واسعة عبر خدمة "الأمين"، لتنبيه الناس من المواطنين والمقيمين مستخدمي أجهزة البلاك بيري والأجهزة الذكية الأخرى، وتحذيرهم من حملات الاصطياد الذكي عبر إعلانات وهمية، تعدهم بتأمين وظائف للعاطلين عن عمل أو الباحثين عن فرص معيشية أفضل، أو المساعدات الإنسانية..

وهذه المصائد يتم استغلالها بشكل غير متوقع، وذلك أن بعض ضعاف النفوس يستخدمون عنواناً لبريد إلكتروني شخصي لاستقبال الطلبات والسير الذاتية للمتقدمين، والغرض الرئيسي من هذا السلوك غير السوي، هو التعرف إلى الفتيات واستغلال حاجتهن للتعيين في أي وظيفة أو للمساعدات الإنسانية.

تنبيه تشكر عليه إدارة شرطة دبي، لأنه ينم عن حرص بالغ على مصلحة الجمهور، وحمايته من الإيقاع به عبر أمثال هذه الشبكات، مؤدية من خلال هذه النصائح دورها التوعوي الأساسي الرديف للعمل الشرطي الميداني في ملاحقة الجريمة والقبض على الجناة.

وذلك لأن نصف الطريق إلى حماية المجتمع من تغول الجرائم فيه، هو عبر التوعوية الجماهيرية التي تراقب حياتهم بعقل واعٍ منفتح، لا تجره العواطف والحاجات إلى مآلات لا تحمد ومتاهات لا رجعة فيها.

وإذا كان الحال كذلك فإن منبر الشرطة لا ينبغي أن يكون هو الوحيد في طريق التوعية الأمنية الجماهيرية، بل لا بد من إشراك جميع المنابر التثقيفية في ذلك الميدان، حتى نضمن أوسع درجة من التوعية في رحاب المجتمع.

وقد كنا نسمع عن أناس وقعوا في براثن الاستغلال المادي عبر اتصالات تلفونية مجهولة، وقلنا حينها إن بعض الناس ممن يحملون الهواتف لديهم قدر من الأمية، بحيث تنطلي عليهم هذه الألاعيب الساذجة بالأرباح الطائلة وتحويل الأموال والمساعدة لمحتاج يقبع في أقصى أدغال إفريقيا وغيرها..

 لكن العجب كل العجب، أن تكون الهواتف الذكية التي من المتصور ألا يحملها أو يتعاطى معها إلا المثقفون أو المتعلمون على أقل تقدير بحد مناسب يحول بينهم وبين أن يقعوا فريسة الألاعيب السابقة ذاتها.

وكأن الحضارة والتقنية لم تملأ سوى الجانب السطحي من حياتهم المتعلق بالمظاهر وما شابهها، وبقي الوعي الحقيقي بعيداً عن سبل التطوير والترقي والمعرفة، كحال أصحاب الشهادات والعلوم الذين لا يزالون يؤمنون بسطوة العرافات ويرتعدون من أضغاث الأحلام.

نحن نعاني بلا شك أزمة معرفية عميقة، جعلت الكثيرين هياكل شمع لا تقوى على حماية أنفسها من أبسط التحديات، فضلاً عن سبر أغوار الحياة ومعرفة أسرارها، والعمل على الاستفادة من علومها على النحو الحضاري المنشود منها.

فما فائدة المجتمع من شباب يتخرجون بالمئات أو الألوف من الجامعات ذات الأسماء من هنا وهناك، إلا أنهم بعيدون عن جوهر المعرفة الحقيقي، مسترسلون وراء توابع شهاداتهم من الدراسة إلى العمل كالآلات لا تضيف إلى الحياة شيئاً؟ وما فائدة هؤلاء الشباب إذا كانوا إلى الآن كلأً مباحاً لأمثال هؤلاء المرتزقة، الذين يبيعونهم الوهم ويشترون منهم حياتهم ومستقبلهم؟!

ونحن حين نقول هذه الوقائع، لا نعمم بلا شك على جميع الطاقات الشبابية النيرة، وهي كثيرة بفضل الله تعالى، إلا أننا نتوسم في جيل الشباب المتعامل مع أرقى مفرزات التقنية، أن يكون أنضج في التعامل مع الحياة، وأن يشارك المجتمع لا في نشر الجريمة والترويج للشائعات، بل يمارس دوره المجتمعي الحقيقي في الحد من هذه التجاوزات، بأن يسارع إلى وضع حد لها، محذراً من الجري وراء الأوهام.

وإذا كانت الشرطة ووزارة الداخلية قد أدتا دورهما المنوط بهما، إلا أن الدور الأكبر يقع علينا نحن في كل المنابر والجهات، لنكون رديفاً أميناً لصيانة المجتمع والحفاظ على استقراره.