كل من قرأ كتابي "ذكريات في الترجمة" الصادر بالإنجليزية عن الجامعة الأميركية في القاهرة، وباللغة العربية عن دار الجربوع من ترجمة كامل يوسف حسين، يعرف مدى عمق الصداقة التي ربطتني في لندن مع الشاعر الفلسطيني توفيق صايغ.

وفي حقيقة الأمر أنني عرفت عائلة صايغ بكاملها، التي كانت في معظمها تقيم في بيروت، وهكذا فإنني عندما علمت بصدور كتاب يحمل عنوان "أنيس صايغ عن أنيس صايغ"، كان من الطبيعي أن أبادر إلى الحصول على نسخة.

 كان أنيس صايغ خلافاً لأخيه توفيق، إنساناً يهتم في المقام الأول بالصراع السياسي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وكان مديراً للمقر الرئيسي في بيروت لمركز الدراسات الفلسطينية، وكتب بالتفصيل عن الصراع المرير الدائر بين الجانبين.

عندما مضيت للإقامة في بيروت لأول مرة، بعد تركي لعملي مديراً لإذاعة صوت الساحل في دبي، أقمت في سبعينيات القرن المنصرم في شقة كان الشاعر يوسف الخال قد وجدها لي في البناية نفسها التي يقطن فيها، شقة فسيحة ذات حديقة في الطابق الأرضي.

ثم انتقلت من تلك الشقة، التي كانت من منظوري غير مناسبة من حيث مكانها لزيارة المناطق المركزية في العاصمة اللبنانية، وقمت باستئجار شقة في الكورنيش، وهي ذات حديقة صغيرة وتقع على نحو مناسب بالقرب من العديد من المقاهي والمطاعم.

كنت في أيام كثيرة أنطلق سيراً على الأقدام من شقتي إلى قلب المدينة، وأمر قرب البناية التي تضم مركز الدراسات الفلسطينية الذي يعمل أنيس صايغ مديراً له.

وفي كثير من الأحيان كنت أنطلق إلى هذه البناية وأقوم بزيارته، وكانت مناقشاتنا تدور على الدوام حول الوضع المتردي بين الفلسطينيين وإسرائيل، وأتذكر أنني قابلته بعد أن نسفت سيارة صديقنا المشترك الكاتب غسان كنفاني وابنة شقيقته على نحو وحشي، فيما كان يهم بالانطلاق بها أثناء وقوفها أمام داره.

كان أنيس بحكم المهنة كاتباً، وقد أدهشني أن أعلم من خلال قراءة مذكراته، أن إحدى المجلات التي ساهم فيها كانت دورية "أصوات"، وهي مجلة أدبية كنت قد أصدرتها في لندن وساهمت فيها شخصيات أدبية بارزة في ذلك الوقت، من بينهم بالطبع شقيقه الشاعر توفيق الصايغ.

والكاتب الفلسطيني غسان كنفاني الذي كان أيضاً واحداً من الكتاب الذين أدرجتهم في المجلد الأول الذي أصدرته من القصص القصيرة العربية الحديثة، وكانت القصة التي أدرجتها له في هذا المجلد تحمل عنوان "موت السرير رقم 12"، وقد استلهمها من أيامه المبكرة التي أمضاها في الكويت، وتناولت تجربة رجل من عمان يستهل حياته بحاراً وقبيل موته يفتح حانوتاً في الكويت.

وكان هذا المجلد هو أول مجموعة من القصص العربية المنتمية إلى أجزاء مختلفة من العالم العربي تتم ترجمتها إلى الإنجليزية، وقد نشرت في عام 1967، وانفردت بأنها قد نشرت من قبل مطبعة جامعة أوكسفورد، واحتوت على مقدمة بقلم البروفيسور آربري الذي كان يشغل منصب أستاذ كرسي اللغة العربية في جامعة كامبردج.

كان أنيس صايغ هدفاً للإسرائيليين، وذات يوم حدث ما هو حتمي، وهو يصف في مذكراته كيف أنه في أحد أيام 1972 عاد إلى مكتبه ووجد حزمة من الرسائل في انتظاره، فراح يفضها رسالة وراء الأخرى، ثم صادف رسالة سميكة للغاية، ولم يتردد في فتحها بدورها، لكنها كانت رسالة ناسفة بعث بها الإسرائيليون إليه، وقد انفجرت في وجهه وأوشكت أن تفقده البصر، كما تأثر سمعه كذلك.

وقد فحصه عدد من الأطباء في كل من العالم العربي وإنجلترا، وكان الإسرائيليون متأكدين تماماً من أنهم قد قتلوه، إلى حد أنهم قد أذاعوا في نشرة إخبارية أنه قد لقي مصرعه. وهو يروي كيف أنه عندما كان في المستشفى، راح يفكر جاداً في الانتحار وكان سريره في المستشفى في الطابق الثامن، وقرر أن يقفز من النافذة، وهكذا ينهي المعاناة الشديدة التي كان يتعرض لها كل يوم.

يكتب دكتور أنيس صايغ بكثير من المحبة والإعزاز والتقدير، عن المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ويروي كيف أنه قد استقبله عام 1975 على مأدبة عشاء أقامها تكريماً له، وكيف أن الشيخ زايد خلال المأدبة كان من الكرم والنبل بحيث كان يضع بنفسه شرائح من البطيخ في طبق أنيس، ويصغي بعد ذلك بمزيد من العناية لرأي أنيس في الثمرة.

لأن الشيخ زايد كان قد أصدر تعليماته بزرع هذه الثمار في مدينة العين. ويقول أنيس إن البطيخ الذي تذوقه في المأدبة، كان حلواً ويفوق ما تذوقه من بطيخ في دول أخرى مثل لبنان، سوريا، الأردن ومصر.

ويذكر الدكتور أنيس صايغ كذلك أن الشيخ زايد لدى علمه بالهجوم الإسرائيلي عليه، بادر لتقديم الدعم المالي اللازم لذهابه هو وزوجته إلى انجلترا للعلاج مما أصابه من جراح.

ويذكر الدكتور صايغ أيضاً أحد رجالات الإمارات البارزين وهو أحمد خليفة السويدي، ويقول إنه هو الذي بادر بإبلاغ الشيخ زايد بالهجوم الإسرائيلي عليه، وأن الشيخ زايد بادر على الفور في ضوء ذلك بمكرمته، التي كفلت له إمكانية التوجه إلى لندن وتلقي العلاج الضروري لحالته هناك.