أصبح عملي اليومي في ترجمة الوثائق العربية إلى اللغة الإنجليزية أكثر إثارة للاهتمام على نحو مفاجئ، من خلال القرار الذي اتخذه مكتب الاستعلامات المركزي، وهو المعادل لوزارة الإعلام في بريطانيا، بإنتاج برنامج تلفزيوني أسبوعي ناطق باللغة العربية. وشاء الحظ الطيب أن يعهد إلي بالمسؤولية عن هذا البرنامج، وأن أكلف بالتفكير كل أسبوع في فقرتين أو ثلاث لإدراجها في البرنامج الذي يستغرق عرضه 15 دقيقة.
وكان خبرا طيبا على الدوام أن يتصادف وجود شخصية شهيرة من العالم العربي في لندن، بحيث يتاح له الظهور في هذا البرنامج. وقد حدث هذا على سبيل المثال في حالة النجم المصري الشهير عمر الشريف، الذي استغرقت المقابلة التي أجريت معه وقت البرنامج كله. وكان من النجوم الذين استغرق اللقاء معهم البرنامج كله أيضا، المطرب عبدالحليم حافظ الذي اعتاد القدوم إلى لندن لتلقي العلاج.
قام البرنامج الذي أطلقت عليه اسم "أضواء وأصوات"، بتشغيل عدد من الأشخاص كان بعضهم من العرب، وكان هناك آخرون لم يكن مطلوبا منهم معرفة اللغة العربية، حيث انهم من الإنجليز الذين يتمتعون بخبرة فنية متخصصة، وكان من بين هؤلاء الأخيرين شخص كان مسؤولا عن الكاميرا.
ثم جاء يوم توجهت فيه إلى الأستوديو للقيام بالتصوير الأسبوعي لحلقة أخرى من "أضواء وأصوات"، فوجدت أن شخصا جديدا يقف وراء الكاميرا، وتعرفنا على بعضنا، فاكتشفت أنه أمضى معظم حياته في كينيا، فحدثته ضاحكا ببضع كلمات من اللغة السواحلية، وهي لغة رغم أنني عشت سنوات عديدة بين أوغندا وكينيا، لم أتملك ناصيتها قط. فنظر إلي على الفور بدهشة يغمرها الابتهاج، ورد بجملة طويلة باللغة السواحلية الفصحى.
كان اسمه ديفيد ماثيوز، وسرعان ما ربطت بيننا عرى الصداقة وكنا نلتقي ليس في اليوم الذي نسجل فيه حلقة من البرنامج فحسب، وإنما في بعض الأحيان لنقضي إحدى الأمسيات معا، وقد تأثرت كثيرا بمهاراته الفنية، وسرعان ما وجدنا أنفسنا نناقش إمكانيات العمل سويا في مشروعات أخرى، وقررنا أن ننشئ شركة متخصصة في إنتاج الأفلام عن العالم العربي وإفريقيا.
وأتذكر قيامه في إحدى الأمسيات بإبراز بطاقة صغيرة، تحمل اسمي واسم الشركة التي كنا قد قررنا إنشاءها سويا، والتي كانت ستنطلق من العنوان نفسه الذي كنت قد أقمت فيه شركة للترجمة من العربية إلى الإنجليزية، ثم قال لي إنه قام بالفعل بإجراء اتصالات عدة مع أشخاص أبدوا اهتمامهم بإنتاج أفلام تعرض في دول إفريقية مختلفة.
هناك شيء لاحظته في ديفيد، وهو أن نظره كان ضعيفا وكان يضع نظارات سميكة للغاية عندما يكون في عمله وراء الكاميرا، وكان مفعما بالتفاؤل حول المستقبل، وقد اشترى سيارة مستخدمة، ومضى يتلقى دروسا في قيادة السيارات. ثم بلغني الخبر الفظيع المتمثل في أنه تعرض لحادثة سيارة، ويبدو أنه كان قد ارتطم مباشرة بشاحنة نقل كبيرة ولقي مصرعه على الفور.
كنت أتجنب دوما حضور الجنازات، بعد أن عانيت معاناة عاطفية شديدة من الجلوس على امتداد القداس الكاثوليكي الذي أقيم على روح أمي الحبيبة في جنازتها، ولكن في ما يتعلق بديفيد فقد ساورني الشعور بأني لا بد أن أحضر جنازته بصفة خاصة.
حيث إنني سمعت من أمه أنها ستجيء خصيصا من نيروبي لحضورها. وكانت الجنازة من النوع الذي لا يقدر لي نسيانه أبدا، وفي ذلك الوقت لم أكن أعرف أن جثمانه سيتم إحراقه، ولا تزال ذاكرتي عابقة بمشهد دفع كفنه من خلال الأبواب المفتوحة، إلى ألسنة اللهب المتقدة التي كانت تنتظر التهامه.
بعد ذلك جاءت أمه إلي وقدمت نفسها، وكانت قد حدثتني عن الرسائل العديدة التي تلقتها من ابنها، والتي أتى فيها على ذكر الصداقة التي تربطه بي وإعجابه بي، والحقيقة القائلة اننا سننطلق بنشاط أعمال معا، ثم أخذت رقم هاتفي ودعتني إلى تناول العشاء في الفندق الذي تنزل فيه. وبالطبع دار الحوار كله حول ديفيد.
وقد أسعدها بصفة خاصة أن تسمع أنني قد أمضيت جانبا كبيرا من صدر حياتي في شرق إفريقيا، وأمضينا المساء في الحديث عن ديفيد وأيامه في كينيا قبل قدومه إلى إنجلترا للعمل في مجال السينما، ثم اشتغاله في مكتب الاستعلامات المركزي ليكون مسؤولا عن الجانب الفني من برنامج "أضواء وأصوات".
كان ديفيد ابنها الوحيد، ويبدو أن وفاته قد أثرت فيها بدرجة كبيرة، وبدا لي أنها تقيم في لندن بصفة أسياسية لكي تراني وتتجاذب أطراف الحديث معي حول ديفيد، وسرعان ما مضت تحدثني بأن ديفيد يتصل بها من العالم الآخر.
وقالت إنه يجعل حضوره محسوسا بطرق عديدة، لكي يظهر لها أنه لا يزال على اتصال بها. وقالت لي إنها على سبيل المثال، تجد بعض متعلقاتها الشخصية مثل مشطها وقد نقلت من المكان الذي تركتها فيه لآخر مرة إلى مكان آخر، وسألتني هل عايشت أنا أيضا تجارب مماثلة من هذا النوع؟
وجدت أن هذه اللقاءات مع والدة ديفيد مثيرة للازعاج، ثم عندما عادت إلى نيروبي بدأت تكتب لي رسائل تدور كلها حول ابنها، وقد وجدت أيضا أن هذه الرسائل مثيرة للإزعاج، وسرعان ما توقفت عن الرد عليها.. ولكن ذكرى صديقي ديفيد ما زالت تواصل الحياة في ذهني.