يمكن تلخيص الانتخابات اليونانية الأخيرة غير الحاسمة في إطار موضوعين عامين، هما أن اليونانيين يريدون الاستمرار في منطقة اليورو، ويتوقعون الحصول على مساعدة منها. لكنهم ما زالوا لا يريدون أخذ الدواء اللازم لوقف اقتراض مليارات اليورو من الأوروبيين الشماليين، الذين يريدون إجراء إصلاح جذري من جانب اليونان لإصلاح قانون الضرائب وتحرير قوانين العمل والانضباط المالي وتقليص كبير للبيروقراطية وزيادة الشفافية، وهي أمور كلها غير محتملة الحدوث بالنظر إلى تاريخ اليونان وثقافتها المعاصرة.

إذن فما الذي يخبئه المستقبل لليونان في الوقت الذي تخرج ببطء من منطقة اليورو، وتمضي حضارتها في الاتجاه المعاكس؟

من الناحية النظرية، فإنه مع القدرة على خفض قيمة الدراخما وتحريرها من الديون الهائلة، يمكن أن يعود اليونانيون إلى العمل كما كانت تجري ممارسته في عقد السبعينات من القرن الماضي. في تلك الأيام قبل التحويلات الكبيرة لأموال من شمال أوروبا، كنت أعيش في اليونان التي كانت بلداً راكدا في منطقة البلقان من دون وجود جراحات متقدمة أو طرق سريعة أو جسور معلّقة أو مترو للأنفاق أو مطار حديث.

في تلك الحقبة من الفقر النبيل، شهدت اليونان حالات نادرة من الطلاق والإجهاض وتعاطي المخدرات والجريمة. أما الآن، فجميعها مألوفة. وكانت المناطق الريفية في اليونان خارج أثينا أكثر اتساماً بطابع الشرق الأوسط منها بالطابع الأوروبي.

إلا أن المشكلة فيما يتعلق بالعودة إلى الشعور بالحنين إلى عالم انتهى منذ فترة طويلة، والعودة الزاحفة لحالة فقر أشبه بفقر العالم الثالث، ولكن هي الصدمة النفسية التي شعر بها اليونانيون حيال فقدان نمط الحياة الأوروبية الذي يعتبر الآن حقاً مكتسباً.

بالنسبة لليونانيين، فإن مسألة عدم العيش مثل أقرانهم في ميونيخ أو أمستردام ستكون أكثر كارثية بالمقاييس السياسية مما كان يمكن أن يكون عليه الحال، طالما أنهم لم يستمتعوا بسيارات المرسيدس وهواتف الآي فون في المقام الأول.

على مدى السنوات الثلاث الماضية، قام اليونانيون الغاضبون بأعمال شغب وانتهجوا أسلوب اللوم، بدلا من تبني النقد الذاتي وبذل جهود حقيقية لتحقيق انفتاح اقتصادهم العتيق وإنعاشه. وحمّلا كلاً من الاتحاد الأوروبي والألمان والأميركيين ووول ستريت وقادتهم والأجانب والمهاجرين المسؤولية، أي شيء وأي شخص آخر غير اليونانيون أنفسهم، الذين عاشوا بشكل واضح بطريقة لا تتناسب مع انتاجيتهم. إذن عندما تنتهي تمثيلية اليورو اليونانية.

ولا يوجد المزيد من كباش الفداء لإلقاء اللوم عليهم، فلنتوقع المزيد من الاضطراب السياسي والغضب، وليس التأمل الهادئ والإصلاح. لا نستبعد العودة إلى نوع من الاستبداد، سواء في شكل يساري على طريقة هوغو تشافيز، أو على الأرجح، بروز رجل يوناني قومي قوي في قالب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وفي نهاية المطاف، فإن الديمقراطية لا تمثل نهاية التاريخ.

ولكن في كثير من الأحيان هي فترة راحة دورية للشعوب المزدهرة التي تستطيع تحمل ميزات الحكومة البرلمانية والتسامح الليبرالي. الآن، فاليونان ليست مكاناً مزدهراً ولا متسامحاً. ربما تؤدي مسألة تبادل الاتهامات بشأن اليورو تسميم مفهوم المواطنة الأوروبية نفسه. حتى لو بقيت اليونان في الاتحاد الأوروبي، فإن العلاقات مع أعضاء الاتحاد الأوروبي الآخرين لن تكون هي نفسها.

لم يبد التاريخ أبدا طيبة لليونانيين المتفاخرين لكن ضعفاء، الذين عانوا قروناً من الغزوات والاحتلال والحروب الأهلية والانقلابات والمجاعات. قد يكون العام 2012 رهيباً، لكنه رهيب بمقاييس ما حدث في أعوام 1922 و1941 و1946 و1967، أو في هذا الشأن، لعامي 1460 أو 338 قبل الميلاد. يعيش اليونانيون في منطقة صعبة على مفترق الطرق بين الإسلام والمسيحية، حيث تتلاقى أفريقيا وآسيا وأوروبا في شرق البحر المتوسط.

فالإمبراطورية العثمانية، التي تعتبر حطاما تاريخيا لليونانيين المتفرقين، آخذة في الصعود في تركيا، تروج للمظالم بشأن قبرص، وحقوق الغاز والنفط في المياه المشتركة، والحدود البحرية والبرية سيئة التخطيط.

الاستجابة العسكرية السريعة من جانب الاتحاد الأوروبي تثير السخرية. ومع التخفيضات التي تلوح في الأفق والتوجه الجديد في منطقة المحيط الهادئ، ربما يلاقي حلف "ناتو" غير محدد التوجه وضعيف التمويل المصير نفسه قريباً. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن أميركا التي تكابد الديون ما زالت لا تحظى بشعبية في اليونان، فيما لا تشكل اليونان حظوة لدى الأميركيين.

بدون وجود مزيد من النقد الأجنبي، فإن المؤسسة العسكرية الحديثة في اليونان سوف تذبل على عروشها. فهل يفضل اليونانيون الاحتفاظ بمخزون القنابل الذكية المستوردة على حساب الاستغناء عن الماسحات الضوئية لشركة سيمنز أو عقار السيبروفلوكساسين من شركة بايير؟