أسئلة كثيرة طرحتها جولة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الشرق الأوسط، والتي زار خلالها على مدى يومين، كلا من إسرائيل والضفة الغربية والأردن أواخر الأسبوع الماضي. فما الفارق بين زيارته الأولى لهذه المنطقة قبل سبع سنوات وزيارته الحالية؟ وما دلالات زيارة شرق المتوسط المتفجر الآن في هذا الوقت الحرج بالذات؟

 ولماذا استقبل بوتين في إسرائيل هذه المرة بحفاوة بالغة وصفت باستقبال الملوك؟ هل أرادت إسرائيل بهذا استغلال الحالة الملتبسة للعلاقات العربية الروسية، بعد ما سمي بالربيع العربي لتحقيق مكاسب، أم العكس هو الصحيح؟

ثم، ما مغزى هذه الزيارة في أعقاب القمة الروسية الأميركية هذا الشهر في المكسيك، والتي كان الشرق الأوسط حاضرا فيها بقوة؟ وهل يظهر ذلك نوعا من التنافس الجديد بين موسكو وواشنطن في شرق المتوسط؟

الجولة الأولى عام 2005 شملت أيضا إسرائيل والأراضي الفلسطينية ومصر، وفيها كانت القضايا المطروحة هي الدعوة الروسية لعقد المؤتمر الدولي لسلام الشرق الأوسط في موسكو، بعد عقد جولته الأولى في آنابوليس الأميركية.

وفي تل أبيب، طلبت إسرائيل من روسيا حينها وقف تزويد سوريا بالصواريخ الدفاعية المتطورة أرض ـ جو، وفي الملف الإيراني طلبت عدم التعاون الروسي مع إيران في برنامجها النووي لخشيتها من امتلاك إيران لسلاح نووي. وقد رفضت روسيا كلا الطلبين.

حيث قال بوتين للإسرائيليين حينها؛ في ما يتعلق بسوريا فإنكم أنتم الذين تزودونها بهذا النوع من الصواريخ الدفاعية لقيامكم باختراق الأجواء السورية. وفي ما يتعلق بإيران، أبلغهم أن روسيا لا ترى في البرنامج النووي الإيراني خطرا عسكريا، وأنها لا تعاون إيران إلا في النووي السلمي.

الجولة الثانية في الأسبوع الماضي اكتست طابعا خاصا، حيث استدعت التاريخ والثقافة والعلوم والاقتصاد لتدعيم العلاقات الثنائية الروسية مع هذه البلدان الثلاثة، حيث قام بوتين بتدشين نصب أقيم في مدينة نتانيا الإسرائيلية، تخليداً لذكرى انتصار الجيش الأحمر على ألمانيا النازية. ويتذكر الإسرائيليون أن الروس هم من حرروا معسكر "أوشفيتز" النازي في النمسا ومعظم معسكرات الموت الأخرى لليهود، كما أن هناك أكثر من مليون إسرائيلي تعود أصولهم إلى أجزاء من الاتحاد السوفييتي السابق.

وفي زيارته لأراضي السلطة الفلسطينية، شارك في الافتتاح الرسمي لـ"المركز الروسي للعلوم والثقافة" في مدينة بيت لحم. وعندما زار الأردن حضر هناك افتتاح دار للحجاج المسيحيين الروس، في موقع على نهر الأردن يستمد قدسيته من كون السيد المسيح قد تعمد فيه.

وفي محادثاته في العواصم الثلاث، كانت القضايا هي ذاتها القديمة الجديدة، حيث كان الملف السوري حاضرا والملف الإيراني أيضا. لكن المواقف من المسألتين، كما أشار المراقبون، على ما يبدو بقيت على حالها، ومساعي الإسرائيليين لتغيير موقف موسكو بشأن الملف النووي الإيراني لم يكتب لها النجاح. فموسكو ما زالت ترى كما أكدت مرارا، أن المفاوضات هي السبيل الأفضل لحل الملف النووي الإيراني.

فيما جدد بوتين موقف موسكو الرافض للتدخل الأجنبي وفرض أجندات خارجية على دول المنطقة، في إشارة إلى الموقف من سوريا. ونقلت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن الرئيس الروسي أكد أن بلاده تقف موقفا محايدا في الموضوع الإيراني، وفي ما يخص سورية فقد كان جواب بوتين أن بلاده تقف إلى جوار سوريا التي تربطها بها مصالح قديمة وعلاقات تاريخية.

غير أن الفارق بين الجولتين كان كبيرا، فبينما كان الاحتلال الأميركي للعراق قائما، والوجود العسكري الغربي حاضرا في المنطقة، جاءت الجولة الثانية وأميركا قد انسحبت من العراق، بعد تجربة مريرة وخسائر هائلة بشرية ومادية.

وبينما كانت النظم السياسية في المنطقة مستقرة وثابتة، جاءت الجولة الثانية وقد عصفت رياح التغيير المضطربة في ما سمي "الربيع العربي" بعدد من تلك النظم، خاصة في دول صديقة لروسيا مثل ليبيا، بينما يواجه النظام في سوريا اضطرابات داخلية دموية، فيما أطاحت ثورة شعبية سلمية بالنظام المصري.

وظل التوتر والاضطراب قائما حتى بدأت ملامح التحول الجديد تتضح أثناء الجولة الأخيرة لانتخابات الرئاسة. فيما تزايدت حدة التوتر في شرق المتوسط، بين الحليف السوري والجار التركي الذي يستضيف محطة الدرع الصاروخي الذي ترى فيه موسكو تهديدا لها.

ويحتضن مراكز تجمعات المعارضين المسلحين للنظام السوري، خصوصا في أعقاب إسقاط الدفاعات الجوية السورية طائرة استطلاع حربية تركية اخترقت الأجواء السورية، مما دفع تركيا إلى استنفار حلفائها من دول الناتو لتوجيه التهديدات لسوريا، لكن تغلب ضبط النفس على ما يبدو في الأوساط التركية والأطلسية، بسبب المحاذير الإقليمية والحربية.

وربما اختار بوتين هذا التوقيت ليعيد تأكيد الحضور الروسي في المنطقة، في ظل الأجواء السلبية التي تشوب العلاقات العربية الروسية بسبب الدعم الروسي للنظام السوري، بينما تؤكد روسيا أنها لا تقف مع نظم ضد شعوب، وإنما تقف مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة الذي يدعو لحل المنازعات الدولية بالوسائل السياسية السلمية.

ويجرم تغيير الأنظمة بالقوة وتهديد أمن ووحدة الدول وسلامة أراضيها، وتسعى لوقف الاقتتال الأهلي، وجمع الأطراف المتنازعة في حوار وطني للوصول إلى حلول سياسية تنهي العنف وتحقق مطالب التغيير والإصلاح.

ولذلك تجاوب الرئيس الروسي مع دعوة الرئيس الفلسطيني عباس لتجديد الدعوة لعقد مؤتمر دولي للسلام في موسكو، فيما كانت تتسارع الخطى لعقد المؤتمر الدولي الذي اقترحه بوتين على الرئيس الأمريكي أوباما، لدعم خطة عنان السلمية لحل الأزمة السورية، ودعا عنان تركيا وإيران لحضوره بعد أن تقرر انعقاده غدا السبت في جنيف.. عسى أن يوقف نزيف الدم السوري، ويمنع انزلاق سوريا إلى حرب أهلية، ويفتح الطريق للوصول إلى حل سلمي للأزمة السورية.