حوّلت إسبرطة القديمة جيرانها المقهورين إلى أقنان مأجورين، نصف أحرار ونصف أرقاء. وكانت هذه الطبقة الدنيا التي عرفت بـ"الهيلوت" تنتج الطعام لدولة إسبرطة، وأتاحت للنخبة من ذكور إسبرطة التفرغ للتدريب وواجبات المواطنة.

وعلى مدى العقود القليلة الماضية، أنشأت أميركا النسخة الحديثة من "الهيلوت"، وهم الملايين من الشباب الأميركي المثقلين بالديون، دون أمل يذكر في الحصول على عمل دائم بأجر جيد، لتسديد ديونهم الدراسية الهائلة، أو جني عائدات تتناسب مع تعليمهم المكلف.

ويصل متوسط ديون الطالب الأميركي الآن إلى حوالي 25 ألف دولار بالنسبة للخريج الواحد، لكن نسبة الشباب العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 16-24 عاما (أي حوالي 49٪)، هي الأدنى منذ أن تم الاحتفاظ بالسجلات في هذا الصدد.

ويمكن أن تتراوح تكلفة التعليم الجامعي لمدة أربع سنوات، بين 100 ألف ومئتي ألف دولار، وهو أمر يعتمد على ما إذا كانت المؤسسة عامة أو خاصة، فنسبة 53% من طلاب الكليات اليوم هم الذين يتخرجون في غضون ست سنوات، وانخفضت المدة التي يمضيها الطالب في الكتابة والقراءة في الكلية إلى الحد الأدنى.

الرسوم الدراسية السنوية تواصل الارتفاع، كما كانت الحال على مدى السنوات الخمسين الماضية، حيث تقترب عادة من ضعف معدل التضخم. إذا كانت الكليات سوف تدفع رسوماً لطبقة إدارية جديدة كبيرة تعفى من التدريس لرصد الحساسية والتنوع، وجمع الأموال، فعليها أن تجمع المال، وتمتثل للتفويضات الفيدرالية المتزايدة في العرق والنوع والطبقة.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن الطلاب يعيلون فئة جديدة من الأساتذة الذين يقومون بتدريس أخف حملاً، ويتمتعون بمزايا أفضل، ويتقاعدون في وقت مبكر، والآن يقدمون التعليم في مجموعة واسعة من الدورات الدراسية التي لم تكن جزءاً من المناهج التقليدية.

إذا كان الطلاب المثقلون بالديون يتخرجون بعد وقت أطول، وتم تدريبهم ليكونوا أكثر "وعياً اجتماعياً"، فإنهم أيضاً يقلصون مهارات الكتابة، وهناك حقائق أقل في متناول أيديهم، ومقدرة عملية أقل من أجل البقاء في القطاع الخاص. وبالتالي تستمر مفارقة التعليم الأعلى، والتي تتمثل في أن اقتراضاً أكبر في سبيل الحصول على تعليم أقل قيمة وأكثر تسييساً، يستغرق وقتا أطول، مع تراجع القدرة على تسديد الديون الآخذة في التزايد من أي وقت مضى.

في كثير من الأحيان، فإن الطلاب من السنتين الأولى والثانية سوف يتلقون معظم دروسهم من حشود المحاضرين الجدد من الأساتذة غير المتفرغين، من أصحاب العقود السنوية، من دون الكثير من الأمن الوظيفي أو المعاشات التقاعدية أو المزايا أو أي وضع يلوح في الأفق، والذين يدعمون تكاليف التدريس الخفيف بالنسبة لمن هم أفضل منهم في الرواتب من الأساتذة.

لكن نسختنا المعاصرة من نموذج "الهيلوت" أسوأ من ذلك، فالطلاب اليائسون يتنافسون الآن للحصول على "برنامج تدريب" صيفي في اتحادات عامة وخاصة، مثل شركات القانون والمؤسسات والبيروقراطيات الحكومية والشركات الخاصة.

وهذه البرامج التدريبية لا تدفع الكثير، ولا تؤدي بالضرورة إلى الحصول على وظائف دائمة لدى الجهة مقدمة البرنامج. فهي ليست منحة دراسية وسيطة، والتي أدت على الأقل إلى عضوية في نقابة رئيسية.

إن المجتمع لديه شتى أنواع الطرق البارعة للاستغلال بالتضليل، فالأرقام القياسية للخريجين المفلسين تشير إلى أنهم يعودون إلى ديارهم، بدلاً من أن يجدوا وظائف تدفع رواتب جيدة ويؤسسوا أسرهم الخاصة بهم.

وفي ظل تكفل الآباء بالإقامة والطعام، فإن الشباب الذين يكونون في حوالي العشرين من العمر ويحصلون على برامج تدريب أو يعملون جزءا من الوقت، لا يزال بإمكانهم الاقتراب من مستوى ضئيل من الحياة الطيبة، وهو امتلاك سيارة وهاتف محمول وجهاز كمبيوتر.

والنتيجة هي أن خريجي الكليات دون الحصول على وظيفة أو لقب أو الكثير من الدخل، يمكن أن يظهروا على أنهم موسرون، عندما يكونون في إجازة مؤقتة بعيداً عن وصاية والديهم.

الآباء من جيل الطفرة، وهم الأوفر حظاً في التاريخ الأميركي من حيث دفعات الضمان الاجتماعي والمعاشات وتعويضات الوظيفة، غالباً ما يتذمرون من أنهم يضطرون الآن إلى تحويل أموالهم لأولادهم. لقد تحولت فكرة الميراث من كونها فائدة وفاة للورثة، إلى دعم معيشي مستمر من الأم والأب. التكملة النقدية الدائمة لأطفال "الهيلوت"، تعد تطوراً جديداً في التخطيط لتقاعد الآباء.

وبالنسبة للكليات المبالغ في مصروفاتها، فإنها نادرا ما تكون صادقة بشأن نموذج الهيلوت الجديد. وعلى سبيل المثال، غالبا ما يقدمون للطلبة الجدد امتيازات في صالة ألعاب رياضية أشبه بناد صحي، بتسلق الجدران الصخرية والتمارين الرياضية ودروس اليوغا وغرف لإنقاص الوزن.

مثل هذه التشتيتات المغرية، تخدع الطلاب بالتفكير بالفعل في الفئات المحظوظة، من دون إدراك أنهم بمجرد التخرج، فإن القليل ممن أثقلتهم الديون حديثاً، سوف يقومون بما يكفي للاستمتاع بمنافع متساوية في النوادي الخاصة على نفقتهم الخاصة.

فلنبتعد عن الدرجات العلمية المتألقة، وفصول الخداع العصرية، وبرامج التدريب العملي مع أصحاب الأعمال المرموقين والأدوات الشخصية، وسوف يظهر جيل جديد من الطلبة المثقلين بالديون والعاطلين عن العمل، الذين لديهم فرصة تضاهي نموذج الهيلوت القديم.