من أجل إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية

ت + ت - الحجم الطبيعي

حقق إضراب الأسرى الفلسطينيين الأخير في سجون الاحتلال الصهيوني نتائج إيجابية مباشرة، عندما خضعت سلطات الاحتلال في نهاية المطاف لمطالب الأسرى المحقة وأعلنت قبولها بها، بعد فترات طويلة من العزل والخنق ومنع الزيارات لأعداد كبيرة منهم، ومنع بعضهم من إكمال تعلميه ودراسته داخل السجون، خصوصاً وأن غالبية الأسرى هم من الشباب ومن أجيال طلاب المدارس الثانوية وجامعات فلسطين المحتلة.

الإضراب أعطى نتائجه، فكان مشواراً من مشاوير سفر الكفاح الوطني الفلسطيني، وعلى طريق كسر أغلال وقيود الاحتلال، وتبييض السجون حتى تحرير آخر أسير وأسيرة من بين قضبان سجون الاحتلال.

ومع ذلك، فإن تعليق الإضراب الأخير عن الطعام من قبل الأسرى لم يكن شاملاً وكلياً، فهناك بعض الأسرى ما زالوا مستمرين في إضرابهم، رغم سوء حالتهم الصحية ووصولها إلى درجة تكاد تقترب بهم من الموت البيولوجي الكامل، حيث ما زالوا مضربين عن الطعام وقابعين في مستشفى سجن الرملة الإسرائيلي، وهم محمود السرسك، وأكرم الرخاوي، وسامر البرق. وكانت سلطات الاحتلال قد أطلقت قبل أيام، سراح الأسير ثائر حلاحلة بعد استمراره في إضرابه عن الطعام.

فالأسير محمود كامل السرسك، وهو لاعب في منتخب كرة القدم الفلسطيني من سكان غزة، يخوض إضرابا مفتوحا منذ تاريخ 19/3/2012 مطالبا بإلغاء اعتقاله الإداري على خلفية ما يسمى قانون "المقاتل غير الشرعي" والإفراج عنه، حيث أصبح وضعه الصحي سيئاً للغاية، وبدأ يدخل في حالات غيبوبة ولا يستطيع التحرك أو الوقوف، ويعاني من هبوط في السكر والضغط وانخفاض حاد في الوزن، حيث وصل وزنه إلى أربعين كيلوغراماً.

أما الأسير أكرم الرخاوي، من سكان غزة أيضا، فيخوض إضرابا مفتوحا منذ تاريخ 18/4/2012، وهو مريض من الأسرى الدائمين في مستشفى الرملة، أعلن إضرابه ضد محكمة ثلثي المدة التي رفضت الإفراج عنه ولم تأخذ بعين الاعتبار وضعه الصحي، واعتبر أن قرار المحكمة غير قانوني وانتقامي ولا يمت بأي صلة إلى أي اعتبار قانوني وطبي وإنساني. وهو يعاني أيضاً من الضغط والربو، ومن هبوط في نسبة السكر ونقص حاد في الوزن وعدم القدرة على الحركة.

 وما زال الأسير سامر حلمي البرق، من سكان قلقيلية، يخوض إضرابه منذ 11/5/2012 بسبب تجديد الاعتقال الإداري له، واحتجاجاً على عدم التزام إسرائيل باتفاق الأسرى، وأصبح يعاني جراء الإضراب من آلام في البطن والمفاصل وهبوط مريع في وزنه.

وعلى ضوء تلك الأوضاع التي ما زالت تشهدها سجون الاحتلال في فلسطين المحتلة، بات من الضروري إعلاء صوت التضامن مع هؤلاء الأسرى المضربين عن الطعام، والضغط على سلطات الاحتلال للاستجابة لمطالبهم والإفراج عنهم، على ضوء تدهور وضعهم الصحي بشكل خطير.

إن وقوع أي سوء في حالة هؤلاء الأسرى المضربين عن الطعام حتى الآن، سيولّد مأساة كبيرة، ستدفع بالجميع من أسرى فلسطين للقيام بخطوات تصعيدية في مواجهة سلطات الاحتلال، وقد وجهت عدة رسائل من جهات دولية بهذا الخصوص لسلطات الاحتلال وإدارة السجون.

إن وقفة التضامن مع أسرى فلسطين، تفترض تكثيف التحرك والتضامن على كافة المستويات مع الأسرى المضربين، والضغط على حكومة الاحتلال للاستجابة لمطالبهم. وفي هذا السياق فإن الدور الرسمي العربي المغيّب عن دائرة الفعل والتأثير، يفترض أن يغادر موقفه السكوني للتحرك في الساحة الدبلوماسية الدولية، والعمل لإنقاذ حياة الأسرى المضربين ومواجهة الاستهتار واللامبالاة الإسرائيلية بحياتهم وصحتهم ومصيرهم.

إلى ذلك، فإن تفاعلات الأحداث داخل فلسطين المحتلة، واستغلال الدولة العبرية الصهيونية لما يجري في البلدان العربية كسوريا ومصر وغيرها، وغياب الاهتمام الدولي لما يجري في فلسطين، جعل من حكومة نتنياهو تسارع الخطا وتسابق الزمن لإنجاز المزيد من مشاريع التهويد لمناطق القدس ومحيطها، وحتى داخل حدود المدينة وأحيائها العربية الإسلامية والمسيحية، وكان آخرها إعطاؤه الموافقة على إقامة وبناء 850 وحدة سكنية استيطانية تهويدية داخل مدينة القدس بجزئها الشرقي المحتل عام 1967.

وفي هذا السياق، فإن استمرار عمليات التهويد، وتسارعها، واستمرار حالة الجمود المطبق على مسار العملية السياسية التفاوضية وانسداد أفقها، دفع بمجموعة من الخبراء الإسرائيليين، بينهم عدد من أساتذة الجامعات المختصين بالشؤون الفلسطينية والعربية كالبروفيسور شمعون شمير وعمانويل سيفان وأيال زيسار وعنات لبيدون والجنرال احتياط شالوم هراري، إلى التحذير من انفجار عنيف هذه المرة واندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة، ستهز أركان حكومة نتنياهو وستقلب المعطيات كلها في المنطقة، على غرار ما فعلته الانتفاضة الفلسطينية الكبرى نهاية العام 1987.

وفي الاستخلاصات الأخيرة، يمكن القول إن الأوضاع داخل فلسطين تتقد على جمر ساخن، فالسكون الظاهري يخفي تحته توترات وغليانا كبيرا، ليس أقله ما يجري للأسرى داخل سجون الاحتلال، واستمرار فعلهم وصمودهم الكبير.

وكذلك ما يجري من عمليات تهويد للأرض واستغلال إسرائيلي للانشغال العربي والدولي بأحداث المنطقة، لتمرير مشروع نتنياهو وائتلافه التصفوي لعناصر القضية الوطنية للشعب الفلسطيني وعلى رأسها تهويد الأرض لمسح عروبتها.

وعليه، فإن الشعب الفلسطيني، بأسراه وأرضه وقدسه وعروبته، بحاجة ماسة الآن للفتة عربية جدية، تعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية، وتقفز عن التناقضات العربية/ العربية، لصالح توحيد الخطاب العربي الرسمي تجاه الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، باعتباره صراعاً وتناقضاً أساسياً، وليس صراعاً أو تناقضاً ثانوياً.

 

طباعة Email