قمت بجولة تاريخية عسكرية على ضفاف نهر الراين من بازل في سويسرا إلى أمستردام في هولندا. يمكن للمرء أن يتعلم الكثير عن أزمات أوروبا الاقتصادية الحالية من خلال تجاهل وابل معقد من تحليلات الأخبار، بدلاً من مجرد المشاهدة والاستماع والتحدث مع الناس بينما يمضي نزولاً مع النهر.

وفقاً للمعايير الحديثة، لا بد أن تكون سويسرا بلداً فقيراً. فشأن بوليفيا، هي بلد غير ساحلي. ومثل إيطاليا، فهي لا تمتلك ثروة حقيقية من الغاز أو النفط. ومثل أفغانستان، فالمناخ في الشمال والمناطق الجبلية يحد من الإنتاجية الزراعية في السهول المرتفعة. ومثل تركيا، فهي ليست جزءاً من الاتحاد الأوروبي.

وعلى عكس الأميركيين، فالسويسريون هم من بين أكثر شعوب العالم تجانساً، من دون الكثير من التنوع، الأمر الذي يجعل من المستحيل تقريباً الهجرة إلى هناك. لذلك فمن المفترض أن سويسرا لديها كل ما يناوئها، ومع ذلك فهي واحدة من أغنى الدول في العالم. لماذا وكيف؟

الإجابة عن هذا السؤال هي أيضاً معرفة سبب أن هناك كما يقرب من 82 مليون ألماني ينتجون ثروة وطنية تعادل ما ينتجه 130 مليون شخص من اليونانيين والبرتغاليين والإيطاليين والإسبان. ومع ذلك، فإن المناخ في ألمانيا يتسم أيضاً بالقسوة نوعاً ما، وليس لديها أي نفط أو غاز أيضاً. وبحلول عام 1945، كانت المدن الألمانية ترزح في حالة خراب، في حين كانت تشهد ديترويت وكليفلاند ازدهاراً.

وأشار المؤرخ الروماني تاسيتوس إلى أن ألمانيا قبل مرحلة التحضر كانت أرضاً قاحلة بسبب الطقس البارد، مع القدر القليل من الثروات الطبيعية التي تسكنها القبائل الهمجية. مسألة العرق لا تفسر الثروة الوطنية الحالية. وخلال الفترة من عام 500 قبل الميلاد حتى عام 1300 ميلادية، اعتبرت سويسرا وألمانيا مناطق وحشية ومتخلفة، مقارنة باليونان وروما الكلاسيكيتين، وبعصر النهضة في البندقية وفلورنسا فيما بعد.

وبدلاً من ذلك، فالثقافة تفسر ما هو أكبر من ذلك بكثير، وهو مسألة المحرمات، عندما يشير اقتصاديون بلا مبالاة إلى أن الألمان أصحاب تصدير الفكر المعاصر هم بحاجة إلى الإنفاق والاسترخاء مثل المتوسطيين الجنوبيين، وأن هذه الفئة الأخيرة من المقترضين يدخرون وينتجون مثل الألمان مدمني العمل لكي يكونوا قادرين على المنافسة في مضمار الاتحاد الأوروبي.

لكن الجهود التي تحركها الحكومة بهدف تغيير سلوك وطني في كثير من الأحيان تتجاهل الاختلافات الثقافية العنيدة التي تعكس قروناً من التاريخ المعقد، فضلاً عن العادات القديمة والتكيف مع الجغرافيا والمناخ. لا يمكن لليونانيين التخلي بسهولة عن القيلولة أكثر من أن يستطيع السويسريون الالتزام بفترة بعد الظهر لمدة ساعتين. فإذا الغش الضريبي هواية وطنية في باليرمو، فهو أمر صعب على طول نهر الراين.

عشت في اليونان أكثر من عامين، وكثيراً ما كنت أسافر إلى شمال أوروبا والبحر المتوسط وشمال افريقيا. وفي حين أنني أفضّل جزر البيلوبونيز على منطقة الراين، فعلى مدى السنوات طورت أسلوباً غير علمي وعشوائياً، ودقيقاً غالباً، لكنه غير صحيح من الناحية السياسية للتخمين ما إذا كانت دولة ما من المرجح أن تكون معسرة بشكل دائم وتتعرض للدمار بسبب الفساد.

فهل يلقي أحد المارة المتوسطين القمامة أم يلتقطها؟ بعد وقوع حادث تصادم طفيف، هل يقوم السائقون بتبادل المعلومات بشكل مهذب، أم أنهم يصرخون ويصيحون بإيماءات هجومية؟ وهل التزمير ثابت أم متقطع؟ وهل عبور الطرق أمر مقدس؟ وهل العشاء في مطعم عادة ما يبدأ أم ينفض في الساعة 9 مساء؟

هل يمكنك شرب مياه من الصنبور، أم أنك لابد أن تتجنب ذلك؟ هل تدفع غالباً الثمن المكتوب على المنتج، أم من المتوقع أن تدفع نقداً، ومن ثم تساوم على تكلفة غير معلنة؟ وهل مواقع البناء محددة بعلامات واضحة ومسيجة لحماية المشاة، أم أنك تخاطر بالسير فوق حفرة مفتوحة أم تصاب بجرح من حديد تسليح مكشوف؟ لكي يتم وضع هذه الصور النمطية بشكل أكثر تجريدية، هل المجتمع المدني المعتدل في الغالب يقوم على سيادة القانون وجدير بذلك، أم أنه متميز بالانطواء على الذات والسخرية والقبلية؟

الأجوبة عن هذه الأسئلة لا تعتمد على أساس العرق أو المال أو الثروة الطبيعية، لكنها تنطوي على الثقافة والطريقة التي يعيش بها الناس العاديون كما هو متوقع في كل لحظة. مرة أخرى، تتراكم هذه العادات والتقاليد الوطنية على مر القرون، وبقدر السياسة أو الاقتصاد، فإنها تفسر جزئياً سبب أن بون الألمانية ليست أثينا اليونانية، وزيوريخ ليست نابولي، أو بالنسبة لهذه المسألة سبب أن مكسيكو سيتي مختلفة عن تورنتو. هناك شيء واحد مضحك بشأن الثقافة المعاصرة.

فما يقوله الناس ويقومون به حيال ذلك هما شيئان مختلفان. نحن في الغرب ما بعد الحداثة نؤمن علناً بأن جميع الثقافات مختلفة فحسب، ولكننا نفترض خفية أن المرء يفضل أن يكون حسابه المصرفي في فرانكفورت بدلاً من أثينا، أو استئصال ورم الدماغ في لندن بدلاً من لشبونة.

ربما يكون غروب الشمس الدافئ على شاطئ جزيرة يونانية أكثر مدعاة للارتياح من شاطئ نهر الراين الضبابي، ولكن لمعرفة سبب أن اليونانيين ربما لن يسددوا ما هو مستحق عليهم لألمانيا، ولا يعتقدون أنهم ينبغي أن يسددوا، فلتأخذ جولة في وسط أثينا، ثم تفعل الشيء نفسه في ميونيخ.