بسبب حرارة الجو وقلة الإقبال على انتخابات الإعادة، تم مد ساعات التصويت حتى ساعة متأخرة من المساء، وبقيت اللجان تعمل حتى انتهت من عملية التصويت في منتصف الليل في أحوال كثيرة. ومع ذلك وبعد بضع ساعات خرج مرشح الإخوان المسلمين الدكتور مرسي عند الفجر ليلقي خطاباً حماسياً يعلن فيه فوزه في الانتخابات ويدعو أنصاره للاحتفال بينما كانت ثلاثة أرباع اللجان الانتخابية لم تعلن نتائجها بعد!

بعد ذلك تبين أن هذا المشهد هو بداية فصل جديد من الصراع على السلطة. فصل -إذا لم يتم التعامل معه بحكمة ــ فالصدام قريب وعنيف، فقد وجد الناس أنفسهم أمام حرب بيانات متبادلة بين المرشحين المتنافسين يزعم فيها كل منهما أنه الفائز، بينما الجهة الرسمية المسؤولة عن إقرار النتيجة النهائية وإذاعتها .

وهي لجنة الانتخابات الرئاسية تطلب الانتظار، ثم تثير القلق بإعلان تأجيل النتيجة من موعدها المقرر يوم الخميس الماضي إلى أن تنتهي من نظر الطعون المقدمة، وهو ما اعتبره البعض دليلاً على جدية الطعون، بينما اعتبره البعض عاملاً للخوف من التلاعب بالنتائج.

الأرقام التي أعلنت بصورة غير رسمية من واقع رصد النتائج في اللجان الانتخابية تظهر تقدم مرسي وحصوله على 51 % من الأصوات تقريباً. لكن الأمر يبقى رهن المراجعة مع عوامل تثير قلق «الإخوان المسلمين» على مرشحهم، ويبدو أنها هي التي دفعتهم لاستباق النتائج بإعلان الفوز.

وحشد الجماهير في الميادين. والعامل الأساس في قلق الإخوان هو ما أثير حول ضبط أوراق انتخاب تم طبعها في نفس المطابع الرسمية التي تتولى مهمة طبع استمارات الانتخابات تحت رقابة مشددة وهي المطابع الأميرية.

 الأوراق التي تم ضبطها كان بها علامة التصويت لصالح مرسي. والحديث الذي بدأ ببضع استمارات بطريق الخطأ اتجه بعد ذلك إلى التحقيق حول مليونية أو أكثر من هذه الاستمارات أخذت طريقها إلى صناديق الانتخاب كما يزعم خصوم مرسي.

يترافق ذلك مع حكايات معتادة عن أعمال تزوير صغيرة أو «تسويد» للبطاقات الانتخابية، أو تقديم رشاوى انتخابية، أو استخدام «الورقة الدوارة» التي يتم تسريبها لأنصار المرشح لتستخدم في ضمان التصويت له عشرات المرات، أو الاختراع الجديد وهو «الطفل الدوّار» الذي يدخل بصحبة الناخب أو الناخبة ليتأكد من تصويتهم لصالح المرشح!!

كل هذا كان في حدود معتادة، وأيضاً استخدام دور العبادة في حشد الأنصار وغير ذلك من الأساليب التي لم يتأخر أنصار هذا المرشح أو ذاك في استخدامها. لكن الملاحظة التي استرعت الانتباه أن بسبب حرارة الجو وقلة الحماس للمرشحين المتنافسين بدت المقار الانتخابية شبه خالية معظم ساعات النهار.

ولم يتزايد الإقبال إلا في ساعات المساء، ومع ذلك فإن النتائج تقول إن نسبة المشاركين في هذه الجولة أكبر من الذين شاركوا في الجولة الأولى!! وانها جاوزت نصف المقيدين في جداول الانتخاب، وهو أمر يبدو متضارباً للغاية مع النداءات المتكررة التي كانت توجه للناخبين من الجهات الرسمية ومن أنصار المرشحين المتنافسين، ومن وسائل الإعلام للخروج للتصويت!!

هذا كله سوف تحسمه لجنة الانتخابات، ولكن ذلك لن يؤدي إلى إنهاء الصراع الذي اشتعل، ولا إلى حل للانقسام الذي حدث في الصف الوطني. ولا أحد يمكن له أن يحسب تبعات إعلان فوز شفيق في ظل التعبئة التي حدثت من جانب الإخوان والتهديد بحرب أهلية. ولا أحد أيضاً يمكن له أن يحسب تبعات إعلان فوز مرسي في ظل صراع السلطة الذي اشتعل بين الإخوان والعسكر!!

قبل أسبوع واحد كان «الإخوان المسلمون» يستعدون لحل البرلمان، بتشكيل لجنة الدستور تحت سيطرتهم الكاملة. وكان المجلس العسكري يستعد لمواجهة مرحلة ما بعد انتخابات الرئاسة.

وفي أسبوع واحد اختلطت كل الأوراق. استخدم المجلس العسكري سلطاته لإقامة كل التحصينات الممكنة أمام احتمال سيطرة الإخوان على الحكم أو خضوع الجيش لقرار المرشد، إنها النتائج المأساوية لهذا الخيار الذي فرض على الشعب بين مرشحين للرئاسة لا يمثل أي منهما طريقاً للتوافق الوطني المطلوب لعبور هذه المرحلة الأخطر في تاريخ مصر.

مصر تدفع الآن ثمن المسار الخطأ الذي أجبرت على السير فيه منذ ثورة يناير. لو كان هناك دستور تم التوافق عليه أولاً، لكان الطريق ممهداً لتسليم السلطة، ولكن وضع المؤسسة العسكرية قد تم تقنينه، وما كنا سنواجه هذا المشهد الذي يهدد بتدمير وطن في صراع على السلطة.

في غياب الدستور، وفي ظل وضع قامت فيه ثورة ولم تصل للحكم، يدور الصراع الآن. المجلس العسكري الحاكم كالعادة- لم يكن مستعداً لتطورات الموقف، وهو يحاول تدارك الأمر في اللحظات الأخيرة. وأصدر «الإعلان الدستوري المكمل». لكي يسترد سلطة التشريع بعد غياب البرلمان، ولكي يجعل المؤسسة العسكرية بعيدة عن سلطة الرئيس القادم أياً كان!!

«الإخوان المسلمون» يهددون بالصدام، ولكنهم لا يريدونه. يدركون أن النتيجة ــ حتى لو حافظوا على التأييد الأميركي ــ لن تكون في صالحهم. الرهان الوطني الآن هو تأجيل الصدام وليس على إلغائه، لأن الصدام محتم.

الإنقاذ الحقيقي لمصر أن يتمكن «التيار الثالث» الذي يمثل قوى الثورة وأنصار الدولة المدنية من توحيد صفوفه في مواجهة الاستبداد الديني أو الاستبداد العسكري.

في غياب «التيار الثالث» الذي يمثل قوى الثورة والتطلع إلى المستقبل تبقى المخاوف من أن يدفع شباب الثورة وكل القوى الداعمة للدولة المدنية ثمن الصراع إذا اندلع، وثمن الصفقة إذا تمت!!