كعادته في ريادة العمل الإنساني والتسابق إليه والتنافس فيه، وضع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بصمته الأثيرة الأخلاقية السامية على مبادئ القانون، ليأمر على وجه السرعة وانتهاز الوقت بإعداد قانون اتحادي خاص بحماية الطفل في دولة الإمارات، يكون كفيلاً بضمان مستقبل آمن ومستقر لأطفالنا، يبعد عنهم أي أثر لشبح الظلم الذي قد يتعرضون له في طفولتهم الغضة النقية، ولتكون نشأتهم درجة حقيقية في البناء وإعمار الوطن.

هو باختصار قانون لصناعة الجيل، وبالتالي صناعة المستقبل على النحو الذي تطمح له الأمم الأصيلة، التي تحترم ماضيها وتعمل لحاضرها وترقب بشغف الطموحين مستقبلها. لفتة إنسانية جديدة تضاف إلى سجل عامر بالمواقف الإنسانية العميقة لسموه، تدلل على البعد الأخلاقي العميق في فكره وطبيعته، واقترابه من الهموم اليومية التي تحيق بأي فرد من أفراد المجتمع، وتكمل سلسلة الذهب الأخلاقي في معاني الفارس الشاعر القائد الحكيم. ولا شك أننا في مجتمع الإمارات العربي المسلم الأصيل، ندرك ابتداءً أسس رعاية الطفولة وحقوق هذه الشريحة المهمة من أبنائنا، ونتواصل معهم تحت مظلة الإرث الأخلاقي العامر في حنايا أسرنا، التي لا تزال تربطها وشائج متينة من العلاقات العصية على الانفصام.

كما أن دستور الدولة يكفل حق صيانة حقوق الطفل كونه أساس المجتمع وقوامه، حيث جاء النص على حق الطفل الطبيعي في النمو والعيش بأمان مع والديه، فنصت المادة "15" من الدستور على أن الأسرة هي أساس المجتمع، وقوامها الدين والأخلاق وحب الوطن، ويكفل القانون كيانها ويصونها ويحميها من الانحراف.

إلا أن تسلل بعض التصرفات الفردية النادرة الشاذة إلى بعض ضعاف النفوس، كان كفيلاً بأن ينتفض له القادة الغيورون ليضعوا النقاط على الحروف، ويسدوا الخلة والخلل في النسيج الاجتماعي، كي لا يزيد الخرق على الراتق ونكتشف بعد فوات الأوان نماذج مشوهة تستعدي الواقع لأنها لم ترَ منه إلا الأذى، ولذلك جاء القانون الذي أمر سموه بالإسراع في إعداده، ليكون رادعاً حقيقيا لكل من تسوّل له نفسه ارتكاب أي جريمة ضد الطفل.

وربما لا نبالغ في التوصيف الجنائي لكل من يرتكب جريمة أو تعذيباً أو قهراً على طفل من أطفال الوطن، إن قلنا إن جريمته هذه ترتقي لأن تكون جريمة مخلة بالأمن الوطني واعتداء على استقرار المجتمع بأكمله، وليس على ابنه أو ابنته، لأن مثل هذه الجرائم والاعتداءات إنما تمس ذخر المجتمع الكبير الذي يرصد له مستقبل النهضة، وكل حلقة مشوهة في هذا البناء هي نقطة ضعف في استقرار المجتمع كله، لن تلبث أن تنتشر لتصنع كياناً يستنزف آمال المجتمعات وطموحاتها، ويحيلها براكين قابلة للانفجار في كل حين.

ولذلك لم يكن مستغرباً في مجتمع الإمارات الذي يدرك قيادة وشعبا أهمية مرحلة الطفولة في الركائز الاجتماعية النهضوية، أن تحشد باستمرار التوصيات من الجهات المسؤولة والحكومية والمختصة بشؤون الطفولة، والتي تنادي بضرورة إشراك الأطفال واليافعين في تحديد البرامج والنشاطات الخاصة بهم، وتطوير وانتشار برامج الاستشارات القانونية والنفسية، إضافة إلى العمل بجد لإعادة دمج وتأهيل الأطفال المعنفين.

وإضافة مساق الثقافة الأسرية والعلاقات العائلية إلى برامج التعليم العام والجامعي، وإطلاق البرامج الأسرية ذات البعد الزمني الطويل، وإنشاء العيادات الأسرية المتخصصة في تقديم الاستشارات للآباء والأمهات حول تربية الأبناء، وإنشاء العيادة النفسية المتخصصة في تقديم الاستشارات للطلبة وللآباء والأمهات حول أساليب التواصل، والسعي إلى مكافحة الإهمال والإساءة والعنف ضد الأطفال واليافعين، ودعم الجمعيات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني لتقوم بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم، من رعاية وحماية الطفل واليافع وتدريب ورفع كفاءة الاختصاصيين الاجتماعيين وكافة المعنيين، في مجالات مهارات الاتصال والتواصل ورصد الحالات المرتبطة بالإساءة للأطفال، والإحالة والتدخلات وإعادة التأهيل.

ولا شك أن القائمين على صياغة القانون الذي تآزر فيه العديد من المؤسسات المعنية، سيضمنون من خلاله الحقوق الأساسية للطفل والحقوق الأسرية والحق في الحماية وآلياتها وتدابيرها والعقوبات، إضافة إلى الحقوق الصحية والاجتماعية والثقافية والتعليمية، وتشديد العقوبات في مجال تعرض الأطفال للعنف والإيذاء والتعذيب بكل أشكاله.