يبدو أن المناقشات العديدة حول دور الاتحاد الأوروبي في عملية العولمة، غير قادرة على الابتعاد عن أحد موقفين متطرفين. يرى الموقف الأول أن الاتحاد الأوروبي أشبه بحصان طروادة الذي جلب العولمة إلى قلب أوروبا، فيما يرى الموقف الآخر أن الاتحاد الأوروبي كان ولا يزال أفضل جبهة دفاع في القارة ضد أي آثار سلبية للعولمة. وتكمن الصورة الحقيقية في مكان ما بين هذين الموقفين. من المستحيل ألا نذكر في هذا السياق مبدأ العولمة الموجّهة، الذي تم تقديمه لأول مرة في سياسة الاتحاد الأوروبي الحالية، على يد المدير العام لمنظمة التجارة العالمية باسكال لامي في عام 1999.
ويعتقد أن تلك الفكرة عادة ما تشكل محاولة لضمان أن العولمة (التي تفهم على أنها تحرير تدفقات رؤوس الأموال الدولية من السلع والخدمات ورأس المال والعمل)، ترافقها قواعد رسمية تفرض على اللاعبين الرئيسيين، بما في ذلك الحكومات الوطنية، الالتزام بها. وبدأ تطبيق هذا المبدأ مع التجارة، ذلك أن العولمة عادة ما تبدأ بتحرير التجارة. وتكون العولمة الموجّهة بالتالي قد هيمنت على السياسة التجارية للاتحاد الأوروبي، على امتداد الجزء الأكبر من العقد الماضي.
وتحقيقا لهذه الغاية، سعى الاتحاد الأوروبي إلى توسيع نطاق هذه القواعد، سواء من خلال محاولة استحداث القضايا غير التجارية، مثل العلاقات بين التجارة والبيئة والثقافة، في منظمة التجارة العالمية، ومن خلال زيادة عدد أعضاء منظمة التجارة العالمية. وفي هذا الصدد، ربما يتم تقييم منظمة التجارة العالمية على أساس أنها نجاح في عملية إدارة العولمة. وقد نتج عن ذلك أن مسألة عولمة التجارة، تتم مراقبتها بشكل أكبر وأكثر شفافية.
جلبت محاولات مماثلة في مجال التمويل العالمي نتائج أكثر غموضا. أولاً، نجح الأوروبيون في تقنين قاعدة حركة رأس المال داخل الاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. لكن محاولة القيام بالشيء نفسه في صندوق النقد الدولي، التي استهدفت جعل هذه القاعدة ملزمة للعالم بأسره، قد باءت بالفشل. وتخضع تدفقات رأس المال في النموذج الأميركي للعولمة المخصصة وفقا لما يسمى بـ"العدالة الترازيماخوسية"، التي مفادها أن الأفضلية للأقوى. يمكن أن تفسر العملة الأوروبية الموحدة في هذا السياق، على أنها محاولة لتحصين أوروبا من تقلبات أسعار العملات الدولية.
تضفي العولمة الموجّهة، عندما تكون ملائمة، الشرعية على الاتحاد الأوروبي، لأنه ينظر إليه حينئذ باعتباره قادراً على حماية مواطنيه من الآثار السلبية للعولمة. وعندما تفشل، كما هي الحال مع الأزمة المالية الأخيرة، فإن الشرعية يتم تقويضها. فما الذي يمكن عمله للمساعدة على استعادة هذه الشرعية المتراجعة؟ يتمثل أحد المناهج في حلّ الأزمة واستحداث تدابير تحول دون تكرارها. عدد المقترحات التي طرحت على الرأي العام خلال العامين الماضيين، كبير بما يكفي دون إضافة اقتراحات أخرى. ومع ذلك، فإن معظم المقترحات، إن لم يكن جميعها، تشترك في الضعف نفسه، حيث إنها تدعو إلى مزيد من تعزيز التنسيق العابر للدول، وقواعد أقوى يتم تطبيقها على مستوى الاتحاد الأوروبي. إلا أن مصدر الأزمة، في كثير من النواحي، يتمثل في انعدام الثقة في المؤسسات الأوروبية نفسها، لأنها تفتقر إلى شرعية الحكومات المنتخبة في الدول القومية.
غالبا ما يتم دعم المقترحات الهادفة إلى تحريك الاتحاد الأوروبي بشكل أقرب إلى اتحاد مالي، عن طريق رسم وجه تشابه بين الوضع الحالي للاتحاد الأوروبي والأزمة المالية الأميركية التي اندلعت خلال عقد الثمانينات من القرن الثامن عشر، عندما انتقلت الولايات المتحدة إلى نظام فيدرالي كوسيلة للتعامل مع ديون الحرب الثورية المستحقة على الولايات.
وفي وثائق "فيدراليست بيبرز"، أقنع مؤلفو التقرير، وهم أليكساندر هاملتون وجون جاي وجيمس ماديسون، الرأي العام وأعضاء المجالس التشريعية في الولايات، بالموافقة على نقل بعض الصلاحيات المالية من مستوى الولايات إلى المستوى الفيدرالي، رغم أن ذلك تطلب دستوراً جديداً.
على النقيض من ذلك، ربما يتم اعتبار معظم المقترحات الحالية الهادفة إلى تكامل أوروبي أكبر، والتي هي غالبا كذلك، نقلاً للمسؤوليات البرلمانية الوطنية إلى المفوضية الأوروبية المكلفة من قبل الحكومات، وإلى مجلس أوروبا الذي يتألف من الحكومات. ويعتبر البرلمان الأوروبي هو المؤسسة الوحيدة المنتخبة ديمقراطيا في الاتحاد الأوروبي، إلا أن الإقبال على التصويت في انتخاباته يعد منخفضاً نوعاً ما.
وجود البرلمان الأوروبي في شكله الحالي، لا يعد كافياً للتعويض عن العجز في ديمقراطية الإطار المؤسسي بكامله للاتحاد. ويتطلب سد هذا العجز، المزيد من الروابط بين البرلمانات الوطنية والمؤسسات الأوروبية. وهناك أفكار كثيرة تستحق النظر بشأن الكيفية التي يمكن بها تحقيق ذلك، منها اقتراح طرحه الفيلسوف يورغن هابرماس، بأن أعضاء البرلمان الأوروبي يمكن أن يحصلوا على مقاعد في البرلمانات الوطنية لكل منهم.
وهناك وسيلة واضحة لإيجاد حل لمشكلة الشرعية في الاتحاد الأوروبي، وهي الاختيار المباشر للمؤسسات التنفيذية للاتحاد عبر الانتخابات الشعبية. وذلك من شأنه أن يعطي جميع المواطنين فرصة للمشاركة في الاتصالات السياسية، والتأثير في عمليات صنع القرار. ولكي يتحقق ذلك، فإن وجود رأي عام أوروبي أمر ضروري. ومن هذا الرأي العام يتم تطوير جدول أعمال لعموم أوروبا، يحدد المصالح التي يمكن أن توحّد الناس من مختلف البلدان.