ينبه الرئيس الاشتراكي الفرنسي المنتخب حديثا، فرانسوا هولاند، ألمانيا إلى أن أفكار "النمو" المقبلة من البحر الأبيض المتوسط، وليس "التقشف" الجرماني، هي ما ينبغي أن يشكل العقيدة الأوروبية الجديدة. وليس ذلك من المستغرب، فغالبا ما يحمل المدينون المتهورون الدائنين الجشعين مسؤولية ما ارتكبوه من حماقات في الماضي، لا سيما إذا كان الدائنون يفترض أنهم مثقلون بالشعور بالذنب لتسببهم في حربين عالميتين.

وعلى امتداد أوروبا، يسود اعتقاد بأن الألمان البخلاء يمثلون جذر انهيار الاتحاد الأوروبي؛ فهم الذين عملوا بجد أكبر مما ينبغي، وادخروا أكثر مما ينبغي، واشتروا أقل مما ينبغي، ولم يقترضوا على الإطلاق. ويمكن لذلك كله أن يكون صحيحا، من الناحية النظرية.

ولكن، في الواقع، فإن إلقاء اللوم على الادخار والصناعة، يشكل وصفة لإثارة الغضب ورد الفعل العنيف، لا سيما في حالة الألمان، الذين يطلب منهم الآن توفير المزيد من رؤوس الأموال لمساعدة الاقتصادات الأوروبية الأخرى على التعافي.

هناك قاعدة عامة واحدة يثبتها تاريخ الدولة الألمانية الحديثة منذ إنشائها في عام 1871، وهي: متى ما كانت ألمانيا موحدة ومعزولة معا، اندلعت صراعات مسلحة لا محالة.

وغالباً ما نستخف بمثل هذه القوانين التاريخية الغريبة، متناسين أن الحرب العالمية الأولى أعقبت عدم قدرة الفرنسيين على كبح جماح القومية الألمانية بعد الحرب الفرنسية البروسية. وكانت الحرب العالمية الثانية نتيجة لعجز الحلفاء المنتصرين، عن تفكيك الدولة الألمانية الموحدة أو دمج ألمانيا المهزومة في نوع من التحالف القاري.

وبعد الحرب العالمية الثانية، أقسم الحلفاء على أنهم خرجوا أخيرا بحل ثلاثي جديد، وهو تقسيم ألمانيا. وكانت ألمانيا الغربية ستصبح عضوا في منظمة حلف شمال الأطلسي، وفي الاتحاد الأوروبي الجديد، في نهاية المطاف. وكانت كل من فرنسا وبريطانيا العظمى والولايات المتحدة ستغدو قوة نووية، دون أن يشمل ذلك ألمانيا، وهي مكان ولادة الفيزياء والصواريخ النووية.

وأعقب ذلك سبعون عاما من السلام، وهو أمر لم تعهده ألفيتان من الحضارة الغربية في أوروبا. ولكن الآن، وبصورة خبيثة، تتآكل ضوابط مرحلة الحرب العالمية الثانية. فها هي ألمانيا موحدة وغنية، وها هو سائر الاتحاد الأوروبي فقير وموشك على الانهيار.

وها هو حلف شمال الأطلسي المتشرذم تربكه سياسة "القيادة من الوراء" الجديدة التي تنتهجها أميركا. ومع ذلك فإن محفزات الحروب الألمانية، لم تتمثل فقط في عجز أوروبا عن احتواء وتطويق دولة ألمانية قوية بالفطرة، فمخاوف الألمان وعواطفهم لعبت دورا كذلك.

لقد كانت هناك أسباب عدة وراء الحرب العالمية الأولى، ولكن أحدها كان زعم الألمان أن فرنسا وبريطانيا وروسيا كانت تحرم الإمبراطورية الألمانية المتنامية، حقها الطبيعي في التوسع والاستعمار.

من الذي يعرف جميع الأسباب المرضيّة التي دفعت الألمان اليائسين للجوء إلى العريف السابق غريب الأطوار أدولف هتلر في ثلاثينات القرن الماضي؟ ولكن كان من بينها الخوف القديم من أن الحلفاء تلاعبوا بالنظام الأوروبي مرة أخرى، بغية إبقاء ألمانيا مقسمة وضعيفة وفقيرة وفي موقف دفاعي.

وبعبارة أخرى، فإن الكبرياء الجريحة على نحو متكرر، وغياب الردع، شكلا مفتاحين لاندلاع الحروب الألمانية الثلاث.

والآن؟ تبدو فكرة دولة ألمانية مسلحة وقوية وغاضبة على نحو متزايد، ومستاءة من جيرانها للمرة الرابعة، فكرة سخيفة، وخصوصا في ضوء نجاحها وشعورها بالأمن، إلا أن الألمان يعتقدون يقينا أنهم لعبوا وفقاً لقواعد ما بعد الحرب كافة، حيث دفعوا تريليوني دولار من أجل إعادة توحيد دولتهم دون أن يطلبوا أية مساعدات.

وتحول الاتحاد الأوروبي إلى مضرب بونزي تلاعبت فيه الدول الأعضاء الأكثر فقرا، بسجلاتها للحصول على المال الألماني، لتحمل، عند اكتشاف أمرها، المذهب التجاري الألماني والمتاجرة بالأرباح القائمة على التصدير، مسؤولية غرقها في الديون.

وقضى الشعور الدائم بالذنب حيال الحرب، بأن يعتذر الألمان عن نجاحهم ويتحفظوا على أسباب فشل الآخرين.

وتحت الانتخاب الأخير لرئيس اشتراكي في فرنسا وصعود المتطرفين في جنوب أوروبا، يقبع موضوع مشترك. فبعد أربع سنوات من التقشف، لم تعد أي دولة أوروبية فقيرة تعتقد أنها تستطيع ـ أو يتعين عليها ـ التضحية لتسدد ما اقترضته من ألمانيا الأكثر ثراء بكثير، التي يفترض أنها أضعفت الاتحاد الأوروبي من خلال امتناعها عن إنفاق أو اقتراض المزيد.

وبطبيعة الحال، فإن الاتحاد الأوروبي يدعي دائماً أنه سيصمد. وبالطبع، فإن جميع أوروبيي القرن الحادي والعشرين، يدركون أن القومية والاستعداد العسكري يشكلان مفهومين متحجرين بالنسبة للشعوب الأكثر بدائية.

ولكن دعنا ننتظر لنرى ما سيحدث عندما لا يتخلف الأوروبيون عن سداد الكثير من القروض المقدمة بدعم من ألمانيا فحسب، بل يعلنون بلهجة تحد أنه لم يكن ينبغي لتلك القروض أن تعطى لهم في المقام الأول، وبالتالي فإنهم لا يجب أن يكونوا ملزمين بسدادها على الإطلاق. فالجرح بالنسبة لألمانيا هو أمر؛ والإهانة فوق ذلك هي أمر مختلف تماما.

وفي عصر فقدان الذاكرة الذي نعيشه، يهمس لنا التاريخ بهدوء قائلاً: "لا تستمروا في وكز الألمان، ما لم تكونوا قادرين على التعامل معهم عندما يستيقظون".