يندر في عالم العلاقات السياسية والاقتصادية بين الدول، أن توصف العلاقة بأنها قائمة على الشفافية المطلقة، والمصداقية في المنطلقات والاستراتيجيات، لا سيما أن الاقتصاد العالمي يحط رحاله كل يوم في منزل ومنزلة، حتى لا تكاد تتنبأ بالمستقبل إلا بأصعب الإرهاصات وأضيق التكهنات. هذه الشفافية النادرة في عالم العلاقات الدولية، كانت السمة الأساسية التي كللت أربعين عاماً من العمل بين الإمارات وألمانيا، منذ العام 1972 وحتى يومنا هذا تنمو وتزدهر بوضوح منطلق من التعاون والاحترام.
علاقة شاملة تميزت بسرعة تطورها منذ البداية، ولم تتوقف عند حد التنسيق السياسي والدبلوماسي فقط، وإنما امتدت إلى المجالات الاقتصادية والتجارية، إذ تعد الإمارات الدولة الوحيدة في المنطقة التي تجمعها شراكة استراتيجية مع جمهورية ألمانيا الاتحادية، كما أنها تعد الشريك التجاري الأول لها في منطقة الخليج، وهو ما أكده وزير الدولة الألماني للشؤون الخارجية فيرنر هوير، من أن نصف الاستثمارات الألمانية في شبه الجزيرة العربية يتوجه نحو دولة الإمارات.
وقد انعكس هذا الأمر في مؤتمر الشراكة الاقتصادية الإماراتي - الألماني، الذي استضافته أخيراً مدينة إسن، وتناول أهمية الاستثمار المتبادل لتعزيز هذه العلاقة ونقلها إلى مرحلة الشراكة الحقيقية، من خلال مشروعات استثمارية تتعلق بالصناعة والتجارة والتعليم والطب والسياحة والرياضة، وكذلك في مجالات البيئة والأبحاث التكنولوجية، وتأسيس مكتب إقليمي لمعهد غوته، والهيئة الألمانية للتبادل الأكاديمي (DAAD) في أبوظبي، والذي يقوم بتنظيم فعاليات ثقافية ويقدم التدريب اللغوي عالي الجودة.
ولعل ما زاد قوة العلاقة بين الدولتين، جملة من القواسم المشتركة بينهما، لعل أبرزها رغبة البلدين في إثبات الحضور الإقليمي والعالمي، وترسيخ البنى التحتية القادرة على مواكبة النهوض المتوقع على جميع الصعد. فقد شمل التعاون آفاق الثقافة والاجتماع والاستثمار والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، والتكنولوجيا والابتكار وحقوق الملكية الفكرية، وصناعة الطيران، واقتصاد المعرفة والطاقة البديلة.
واهتمام كلا البلدين بالآخر كان له على الدوام ما يبرره، باعتباره خياراً استراتيجياً ناجحاً يضمن طموحاتهما الكبيرة في التميز والريادة، فضلاً عن بحث ودراسة آخر التطورات السياسية والاقتصادية بين البلدين، وزيارات تبادلية كان آخرها زيارة لجنة الاقتصاد والتكنولوجيا من البرلمان الألماني للإمارات، وزيارة المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل ووزير الاقتصاد ميخائيل غلوس. فالإمارات ترى في ألمانيا الدولة القوية ذات الثقل النوعي الكبير على المستوى الاقتصادي العالمي، كما أن لديها الخبرة الواسعة والتقنيات المتطورة.
إضافة إلى ما تمتلكه من التأثير الكبير في القرارات العالمية، ولعبها لدور ريادي في الاتحاد الأوروبي. في حين أن الجانب الألماني يجد أكثر من ذلك في الطرف الإماراتي، باعتباره يحظى بموقع استراتيجي مميز يجذب المستثمرين، ما جعل الإمارات مركزاً مالياً مهماً، ومنفذاً تجارياً إلى العالم العربي والشرق الأقصى، كما تتميز الإمارات بالاستقرار السياسي البعيد عن جميع الاضطرابات التي تعصف بالمحيط العربي والإقليمي، يضاف إلى ذلك السمعة العالمية الطيبة وتقديم التسهيلات المتميزة والمناخ الاستثماري الجيد، ولذلك لم يكن مستغرباً أن يصل حجم التبادل التجاري بين البلدين في عام 2011 إلى 31 مليار درهم.
هذه الأساسيات الثابتة في العلاقة بين الجانبين، هي ما أكدته أخيراً ندوة نظمها مركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام، عرّجت على أربعين عاماً من علاقات الصداقة والتميز الإماراتية الألمانية، وهو ما أكدته زيارة الرئيس الألماني كريستيان فولف إلى «مصدر» في إمارة أبوظبي، حيث أشاد خلالها بما حققته دولة الإمارات من تقدم ونجاحات على صعيد تطوير ونشر حلول الطاقة المتجددة والتقنيات النظيفة محلياً ودولياً. وهي كذلك الإمارات العربية المتحدة منذ نشأتها، أكملت جوهرة الاتحاد بمبادئ تضمن لها البقاء والاستمرار والاستقرار، بل والريادة والحضور العالمي، وأسست بقوة لبنية تحتية متكاملة تعد الأولى من نوعها على مستوى المنطقة.
من ناحية التطور والحداثة المؤهلة لتلبية متطلبات اقتصاد المعرفة بأفضل صورة ممكنة. ولا شك أن العلاقات الإماراتية الألمانية نموذج واضح لسلسلة كبيرة من العلاقات بين دولتنا وأغلب دول العالم، تقوم على الندية والثقة والمنافع المشتركة، التي أرسى قواعدها حكام حكماء يتقنون فلسفة العلاقات الدولية.