مر بهدوء اليوم العالمي للأسرة الذي حددته الجمعية العامة للأمم المتحدة عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، بعد تبعثر شمل ملايين الأسر بسبب ويلات الحرب. وفي عام 1947 تم تأسيس الاتحاد الدولي للأسرة ليصبح أول منظمة دولية ناطقة باسم الأسرة ولتعمل جنبا إلى جنب مع حكومات الدول الأعضاء ووكالات الأمم المتحدة ذات العلاقة، وبتنسيق تام مع منظمات المجتمع المدني المعنية بقضايا الأسرة والمرأة والطفل على مستوى العالم.

وتعمل المنظمة لتحقيق أهدافها الرامية للحفاظ على بينونة الأسرة ولتفعيل وظائفها في المجتمع، ولعل من أهمها وقاية الأسرة من كافة المهددات التي حملتها رياح العولمة والتغيير الاجتماعي والثقافي، في عالم تحول إلى قرية. وفي تقرير نشر مؤخرا ما يشير إلى اتساع نطاق الأسر ضحايا اللجوء والتشرد والإقامة الدائمة في معسكرات اللاجئين، وها هي مآسي الأسر السورية والفلسطينية والعراقية تثير الشجون ألماً وحزناً.

ومن جهة اخرى تلقي العولمة في عصر الفضاء المفتوح بظلال كثيفة على واقع الأسرة، كما أن ضعف الوازع الديني دفع بجماعات أخذت تطالب علنا بنهاية عصر الأسرة وبتشريع المثلية الجنسية، مما يعني أن عهود الأسرة التقليدية إلى زوال، وأن أشكالا جديدة للأسرة أصبحت سمة من سمات عصر العولمة.

وإذا كان المجتمع الدولي مازال يدعم أطروحات منظمة الأسرة العالمية، اعترافا بأهدافها وتقديرا وإدراكا لدور الأسرة في المجتمع، فإن تحديات كبيرة لابد من مجابهتها للوقوف ضد دعاة تشرذم الأسرة وامحاء دورها، وإبطال أهم وظيفة لها، وهي الإنجاب والإبقاء على الأجيال القادمة لضمان استمرار النوع البشري.

لقد كانت الأسرة ومازالت تتولى القيام بعدد لا محدود من الوظائف الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية، وعلى مدى التاريخ كانت الأسرة الممتدة تسهم بدور أساسي ومحوري في عملية التنشئة الاجتماعية، وهي من أهم وظائفها إذ من خلالها يكتسب الطفل منذ البدايات الأولى لحياته أنماط السلوكيات السائدة، بما في ذلك مفردات اللغة والعادات والقيم والأعراف، وكل أشكال المسلمات ذات العلاقة بالموروث الثقافي الذي ينتقل من جيل إلى جيل، وهكذا تبقى الأسرة المتحف الحافظ لإرث المجتمع عبر الأجيال..

وعلينا أن نرفع صوتنا عاليا ضد أي مطالبات تدعو للقضاء على البناء القيمي والأخلاقي للأسرة، ومن هنا ندعو كافة الجهات ذات العلاقة لاستثمار يوم الأسرة العالمي ويوم الأسرة العربية والمناسبات الأخرى كعيد الأم، لتنظيم مبادرات وأنشطة وبرامج للتعريف بدور الأسرة في تماسك الجماعة والمجتمع، والأهم من ذلك التنسيق مع جهات أخرى لدحض الافتراءات التي تروج لها مواقع معروفة، تعمل على مدار الساعة لبث سمومها بين الشباب وتحريضهم للخروج على قيم الأسرة والمجتمع، بحجة أن التمرد على التقاليد أحد متطلبات العصر!

وقد مر الخامس عشر من مايو دون أن يحتفل أحد بهذا اليوم الذي يمكن أن يكون فرصة تجمع أفراد الأسرة، كما فات على معظم الجمعيات الأهلية المعنية بقضايا المرأة والأسرة والطفل إحياء هذه المناسبة أو مجرد التذكير بها.

ويبدو أن مجتمعاتنا العربية لا تحفل بالمناسبات الفرعية، ولذلك يمر يوم الأسرة العربية ويوم المرأة العالمي ويوم الطفل العربي، وكأن شيئا لم يكن، في حين نجد أن الأسرة في المجتمعات الغربية، وهي في معظمها غير مشبعة بالقيم الدينية، إلا أنهم أكثر حرصاً على إحياء مناسباتهم بإضاءة الشموع وتبادل الهدايا بين الجميع، في أجواء مترعة بالموسيقى والألوان الساطعة.. وهكذا يتحايل الناس لتجاوز الروتين والاعتيادية التي تسير عليها وتيرة الحياة المعاصرة.

وفي ظني، نحن أحوج ما نكون لإكساب حياتنا الاجتماعية معاني وصيغا جديدة، بدلا من المراوحة بين العمل والبقاء في المنزل في أجواء يسودها الخرس الأسري وانعدام الحوار. فمع تراجع ونهاية عصر الأسرة الممتدة، صرنا لا نعرف بعضنا البعض ولا نلتقي إلا على عجل في بعض المناسبات .. ثم يمضى كل في سبيله، ومن ثم أصبحنا لا نعرف المناسبات الخاصة ولا نجيد فن الاحتفالات المنزلية كجماعة وأسرة!

ورغم أن المناسبة مرت بهدوء، إلا أنه من الأهمية أن ننتهز مثل هذه المناسبات لتصحيح حالة التشرذم والتباعد التي تعانيها بعض الأسر، التي صار أفرادها يعيشون في جزر معزولة يندر فيها الحوار ويقل الكلام إلا عند الضرورة.. إنها دعوة للتقارب والتلاحم والتواصل بين أفراد الأسرة.