صعود كل من مرشح الإخوان المسلمين «محمد مرسي»، وآخر رئيس للوزراء في آخر أيام مبارك «أحمد شفيق» في آخر مراحل سباق الانتخابات المصرية للرئاسة، يعكس حالة الاستقطاب الشديد التي تمثل خطرا هائلا لا أحد يعرف إلى أين ينتهي بمصر؟ بين تيار الإسلام السياسي الساعي إلى الدولة الدينية من ناحية، وبين الدولة بأجهزتها البيروقراطية والعسكرية والقوى الاقتصادية الساعية للحفاظ على الأوضاع مع بعض الإصلاحات التي لا تمس جوهر النظام.

يبدو الصراع أمام الكثيرين تكرارًا لصراعات استمرت لسنوات قبل الثورة. كان طرفاها الأساسيان هما نفس الطرفين المتصارعين اليوم مع تبادل الأدوار، ومن هنا كانت الصدمة الكبيرة لدى أكثرية المصريين حيث يرون أنهم قد وضعوا أمام الخيار الصعب بين ما هو مر، وما هو أكثر مرارة.

صحيح أن الإخوان المسلمين كانوا شركاء في الثورة «ولو متأخرين!!» ولكنهم سرعان ما تركوا الميدان ليتفرغوا لحصد ثمار الثورة. وصحيح أن شفيق يقدم نفسه باعتباره الرجل القادر على استعادة الأمن. لكنه في النهاية جزء من النظام القديم ورئيس الوزراء الذي جرت في عهده موقعة الجمل وسالت دماء الشهداء.

«الإخوان المسلمين» الذين حصلوا في انتخابات مجلس الشعب على أكثر من 40% من المقاعد وشكلوا مع حزب «النور» السلفي أغلبية تتجاوز ثلثي مقاعد المجلس، يقفون الآن عند حدود ربع الذين أدلوا بأصواتهم في الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة، وعدد مؤيدي الدكتور مرسي يقترب من نصف عدد الذين صوتوا للإخوان في انتخابات مجلس الشعب قبل بضعة شهور! الأداء السيئ في البرلمان.

والرغبة في الاستحواذ على كل شيء، والمعارك الخائبة ضد القضاء والحكومة والصحافة والأحزاب بمن فيها الحلفاء السلفيون كلها عوامل أفقدتهم جزءا كبيرا من ثقة الشارع، أحمد شفيق أيضا لم يحصل إلا على ربع الأصوات، ورغم هذا كان إنجازه كبيرا، فهو لا يملك الآلة التنظيمية التي يملكها الإخوان المسلمون، فهو قد واجه حملات كبيرة ومواقف صعبة وتم استبعاده من الترشيح ثم تمت إعادته، وما زال ـ حتى الآن ـ ينتظر قرار المحكمة الدستورية بشأن قانون العزل الذي أصدره مجلس الشعب.

شفيق استقطب في الأيام الأخيرة أعدادا من المواطنين العاديين الذين أضيروا في لقمة عيشهم «مثل العاملين في قطاع السياحة» أو الباحثين عن الأمن أو الذين أصابهم الخوف من تصاعد المد الديني المتشدد وارتفاع الأعلام السوداء.

نصف أصوات الناخبين ظلت بعيدة عن هذا الاستقطاب، ذهب معظمها إلى مرشحي الثورة، وفي مقدمتهم حمدين صباحي الذي مثل الظاهرة الأهم في هذه الانتخابات بعد أن جاء ثالثا بنسبة تزيد على 20% من الأصوات، وبعد أن تخطى المرشحين اللذين كانا في صدارة الترشيحات قبل أسبوعين من الانتخابات «عمرو موسى، وعبدالمنعم أبو الفتوح»

أهمية هذا الصعود لهذا المرشح الناصري، أنه جاء على أرضية واضحة من الانحياز للثورة وللعدالة الاجتماعية وللاستقلال الوطني ولعروبة مصر، وأنه جاء بتحالف واسع كان أساسه شباب الثورة. وأنه أيضا جاء مدعوما بأكبر قطاع من المثقفين والفنانين والمبدعين الذين كانوا على الدوام معبرين أساسيين عن الضمير الوطني.. ربما بأكثر مما يفعل السياسيون المحترفون بحساباتهم للمكسب والخسارة، ومناوراتهم الصغيرة أو الكبيرة!

لسنا أمام توافق يقود السفينة إلى بر الأمان. والرئيس القادم «شفيق أو مرسي» قادم إلى صدام.. مع الجيش أو مع الشارع أو مع الاثنين.. أخطاء إدارة المرحلة الانتقالية قادتنا إلى هذا الوضع، ما يخيف أكثر هذه النغمة المتصاعدة عند الإخوان المسلمين وباقي التيارات المناصرة لهم ضد الأقباط. هذه كارثة ينبغي أن يسعى الجميع لتجنبها. الدعاة الذين انقسموا بين مرشح الإخوان وبين أبو الفتوح، يحاولون الصلح الآن باختراع «عدو!» جديد يوحدون صفوفهم في مواجهته. إذا اختاروا الفتنة الطائفية ومهاجمة الأقباط فإنهم يرتكبون جريمة ترقى إلى الخيانة، والتصدي لها واجب كل الوطنيين.

ويبقى الأمل في هذه الكتلة الصعبة التي مثلت حوالي 40% من أصوات الناخبين في المرحلة الأولى.. هذه الأصوات التي ذهبت لحمدين، والتي شكلت معظم أصوات عبدالمنعم أبو الفتوح، وكل ما حصل عليه مرشحو الثورة الآخرون من أصوات حتى إن كانت قليلة، بل إن جزءا كبيرا من الأصوات التي ذهبت لعمرو موسى وسليم العوا، وجزءا أقل من أصوات أحمد شفيق نفسه..

كلها تمثل «الطريق الثالث» الذي بدأ في التكون بعيدا عن الدولة الدينية وعن النظام الذي سقط، هؤلاء ـ في الغالب ـ لن يشاركوا في الجولة الثانية، أو سيبطلون أصواتهم، وهؤلاء ـ في النهاية ـ سيواجهون السؤال الصعب: كيف يتم تنظيم هذه الكتلة الهائلة في تيار واحد؟ وكيف يستعدون لتحديات المرحلة القادمة؟ وكيف يثبتون أن «الطريق الثالث» الذي يمثل الوجه الصحيح للثورة قادر على منع الاستقطاب الحالي من قيادة مصر إلى الكارثة؟