يخطر لي في بعض الأحيان أنني جئت للمرة الأولى إلى القاهرة في عام 1945 بعيد الحرب العالمية الثانية، ولكنني في الحقيقة عندما تصفحت كتابا يضم صورا قديمة، وجدت صورة لي وأنا في الثالثة من عمري وقد ركبت حمارا أمام أحد أهرام الجيزة، ثم بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية مباشرة، تم إعفائي من الخدمة العربية في هيئة الإذاعة البريطانية، وتمكنت من أن أستقل سفينة لتقلني إلى مصر.

ما الذي كان رائعا في ما يتعلق بالقاهرة في تلك الأيام الخوالي؟ هناك أمور عدة يمكن إيرادها في هذا الصدد، ولكنني إذا تعين علي أن أحدد شيئا بعينه، فمن المؤكد أنه تمثل في أن سكان القاهرة لم يتجاوزوا في ذلك الحين مليوني نسمة. وفي حقيقة الأمر فإنني إذا سئلت اليوم ما هي مشكلة العالم عموما، كانت الإجابة بالتأكيد هي: هناك كثير من الناس تحت آفاقه.

وبالطبع ليس هناك من الطعام ما يكفي للجميع. والأمر لا يقتصر على ذلك وحده، وإنما نقرأ أيضا في الصحف أنه في بعض مناطق العالم، وبصفة خاصة في إفريقيا، يموت الملايين من الصغار جوعا كل عام، ومع ذلك فإن هناك أناسا، مثل بابا الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، يحدثوننا بأن استخدام موانع الحمل وأساليب تنظيم الأسرة يعد خطيئة. ولكن ما الذي يمكن أن يكون خطيئة أكثر من إنجاب طفل، ثم العجز عن إيجاد الطعام الضروري لبقائه على قيد الحياة؟

من بين تجاربي الأخرى مع القاهرة، تلك التي حدثت عندما قرر أبواي قضاء عطلتهما السنوية في التجوال بالسيارة في أوروبا، وكان هذا قبيل اندلاع الحرب بين بريطانيا وألمانيا، وقد طلبت من أبي إعطائي النقود التي كان سينفقها على غرف الفنادق ووجبات المطاعم لي خلال الرحلة في أوروبا، ومضيت بدلا من ذلك إلى القاهرة، وكنت قد رتبت إمكانية السكن في المنطقة الشعبية من حي السكاكيني، في دار يمتلكها رجل كان قد علمني اللغة العربية على امتداد سنوات عدة في جامعة لندن.

وقد أخبرت صديقي سعيد الكفراوي، مؤخرا، عن المكان الذي أمضيت فيه كل تلك السنوات، فقال لي إنه ليس هناك مثل هذا الشارع الذي أتحدث عنه، وفي نهاية المطاف ركبت السيارة معه أنا وزوجتانا، ومضينا إلى الحي الذي كنت أقيم فيه، والذي غادرته بسبب حشد البق الذي وجدت أنه يشاركني في وسادتي، وبعد كثير من البحث عثرنا على الشارع، ثم على المنزل رقم 12 الذي أصبح الآن مهجورا ومتداعيا.

كنت قد غادرت هذه الدار ومضيت للإقامة في بنسيون صغير في الأنتيكخانة في قلب المدينة، وهو مكان يمكنني بسهولة السير منه على الأقدام إلى كل المقاهي المختلفة التي أحببت الجلوس عليها ومراقبة المارة.

التقيت في هذا البنسيون ويلف سميثون، وكان أكبر مني بعض الشيء، ولكننا أصبحنا صديقين. وعندما حصل على سيارة كان يصحبني إلى حي المعادي، حيث نستأجر جوادين وننطلق وصولا إلى التجوال حول الأهرام، ثم نمضي إلى أحد المقاهي التي كان يديرها رجل يوناني، وكان يقدم وجبة جيدة ورخيصة من الكباب.

وفي حقيقة الأمر أن هيئة الإذاعة البريطانية عندما بدأت البث باللغة العربية، كانت تبث برنامجا أسبوعيا بعنوان "إخوة الحرية"، وكان يسند لي في بعض الأحيان دور صغير فيه باعتباري يونانيا متمصرا. وبالطبع تعين تعليمي كيفية نطق حرف الحاء باعتباره حرف خاء، وكان علي دائما أن أقول "خبيبي" بدلا من "حبيبي".

غالبا ما كنت أمضي أنا وويلف سميثون في المساء إلى إحدى دور السينما التي كانت تعرض فيلما في الهواء الطلق، والتي كان يمكن للمرء فيها الحصول على مقعد مقابل قروش قليلة. وفي وقت لاحق تزوج سميثون من سيدة لطيفة للغاية من بورما، وربما كانت نصف صينية. وفي غضون ذلك كان قد ادخر من المال ما يكفي لشراء شقة له في جنيف، وكنت على الدوام موضع ترحيب إذا رغبت في الذهاب إلى جنيف والنزول لديه. ولكنه ما إن تقاعد حتى بدأت متاعبه الصحية، وبدأ يفقد ذاكرته، على الرغم من أنه كان رجلا لماحا عاش في الكثير من البلدان على امتداد العالم، وعمل ممثلا للعديد من الشركات المختلفة.

وفي النهاية توقفت عن زيارته في جنيف عندما غدا واضحا أنه لم يعد يعرف من أكون، وبعد ذلك ومع مرور الوقت أصبح من الصعب على زوجته أن تعنى به، واضطرت إلى إيداعه مستشفى خاصا سرعان ما توفي فيه.

ولكن مصر واصلت القيام بدور كبير في حياتي، لسوف أكتب عن هذا في المقالات المقبلة.